فهيل عبدالباسط
لا يتطلب الأمر جهداً تحليلياً لاستجلاء حقيقة أن العراق في مرحلة ما بعد عام 2003 قد أضحى خاضعاً لنفوذ إيراني واسع، مُتخذاً من التكوين المذهبي ذريعةً لتعزيز هذا التغلغل، مما أفضى إلى انخراط الدولة في أتون صراعات إقليمية تدار وفقاً للأجندة السياسية لطهران. وتتصدر الأزمة الأمنية الداخلية المشهد العراقي الراهن، إذ يتمحور الصراع حول إصرار الميليشيات المسلحة على الاحتفاظ بترسانتها العسكرية، وهو واقع فرضته الجمهورية الإسلامية كأمرٍ واقعٍ لا يزال يلقي بظلاله على استقرار البلاد. وفي هذا السياق، تلوح في الأفق مؤشرات متواترة تفيد بتراجع حكومة علي الزيدي عن التزاماتها المعلنة الرامية إلى إنهاء وجود السلاح المنفلت بحلول نهاية شهر أيلول/سبتمبر المقبل.
لم تدخر إيران جهداً في الإفصاح عن توجهاتها نحو انتهاج سياسة هجومية في أكثر من ساحة إقليمية؛ بيد أن الأولوية الاستراتيجية القصوى للحرس الثوري في المرحلة الراهنة تظل منصبةً على ترسيخ نفوذه في العراق. ويشهد الداخل العراقي في هذا الصدد صراعاً محتدماً يتجلى في تجاذبات سياسية وأمنية، يتمحور جوهرها حول سلاح الفصائل المرتبطة بالحرس الثوري. ويأتي هذا التمسك الإيراني بهيئة الحشد الشعبي وترسانته العسكرية ليعكس الرؤية الاستراتيجية لطهران في توظيف العراق كأداة لخدمة مصالح النظام الإيراني، بما في ذلك استغلال الموارد المالية العراقية لدعم الاقتصاد الإيراني وتخفيف وطأة الضغوط عليه.
وفي سياقٍ متصل، أجرى محافظ البنك المركزي الإيراني زيارةً إلى بغداد في منتصف شهر أغسطس الجاري، بهدف التباحث حول ملف المستحقات المالية الإيرانية المترتبة على العراق، والبالغة قيمتها نحو 12 مليار دولار؛ وهي مبالغ ناتجة عن صادرات الغاز والكهرباء، حيث يسعى الطرفان إلى وضع آليات عملية لتسويتها. وتتجلى المفارقة في هذا الملف في أن طهران، وفي الوقت الذي تضغط فيه لتحصيل مستحقاتها المالية، تفرض واقعاً جيوسياسياً يحول دون تمكّن العراق من تصدير جزء كبير من نفطه؛ وذلك نتيجة التهديدات المستمرة بإغلاق مضيق هرمز، مما يتسبب في تكبيد الاقتصاد العراقي خسائر فادحة. وبذلك، يبرز مضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية ضمن المواجهة الإيرانية الأمريكية، في صراعٍ بات العراق أحد أبرز أطرافه المتضررة.
تتجاوز المكاسب الاقتصادية التي تجنيها الجمهورية الإسلامية من الموارد العراقية، ولا سيما النفط، مجرد العوائد المادية؛ إذ يظل العراق يمثل الجائزة الاستراتيجية الكبرى التي ظفرت بها إيران، كنتيجة مباشرة للسياسات الأمريكية إبان حقبة إدارة جورج بوش الابن؛ التي أفضى قرارها عام 2003 بإسقاط نظام صدام حسين إلى إحكام النفوذ الإيراني على مقاليد الحكم في العراق.
في هذه المرحلة، تسعى الإدارة الأمريكية إلى استعادة نفوذها في العراق، متجاهلةً حقيقةً راسخةً مفادها أن الشركاء في حكم البلاد منذ عام 2003 لم يكونوا سوى أحزاب وفصائل مذهبية تدين بالولاء للحرس الثوري الإيراني؛ وهي ذاتها القوى التي خاضت حرب السنوات الثماني ضد الجيش العراقي، ثم عادت إلى بغداد قادمةً من طهران على متن الدبابات الأمريكية. لقد أحكمت هذه الميليشيات قبضتها على مفاصل الدولة العراقية، وعطلت أي مسار إصلاحي جاد من شأنه أن يُفضي إلى تحويل العراق إلى دولة طبيعية توازن في علاقاتها بين إيران ومحيطها الإقليمي. إن هذا الواقع العراقي المعقد يغيب عن إدراك إدارة دونالد ترامب، في ظل قصور رؤيتها تجاه عمق التغلغل الإيراني في بنية الدولة العراقية.
لم يكن اختيار رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، لـ”نصب قادة النصر” الواقع على طريق مطار بغداد الدولي محطةً أولى في زيارته الرسمية للعراق خلال شهر أغسطس الجاري وليد الصدفة؛ إذ جاء وضعه إكليلاً من الزهور وتكريمه لذكرى قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس تأكيداً جلياً على عمق الروابط الاستراتيجية والتحالفات العسكرية الراسخة بين البلدين.
حملت زيارة قاليباف، بوصفه أحد أبرز أركان النظام الإيراني، دلالات سياسية بالغة؛ أبرزها إعلان طهران الضمني عن رفضها لمساعي الحكومة العراقية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، وهو ملف وضعت الحكومة نفسها في موقف حرج تجاهه. وعلى الرغم من أن قاليباف لم يصرح بذلك علانية، إلا أن زيارته للنصب وإشادته بـ”محور المقاومة” في كلمته حملت رسائل سياسية واضحة؛ مفادها أن الجمهورية الإسلامية لا تزال تنظر إلى العراق كساحة نفوذ حيوية، وورقة ضغط استراتيجية في صراعها المحتدم مع الإدارة الأمريكية، وهو صراع يتأرجح بين المواجهة المباشرة والمفاوضات العلنية أو السرية.
أصبح من المتعذر فصل العراق عن مسار النزاعات المحتدمة في المنطقة، التي تمتد جغرافياً من اليمن ومضيق هرمز ودول الخليج، وصولاً إلى جنوب لبنان. وفي ظل هذا المشهد، تسعى إيران إلى تحصين نظامها، مؤكدةً عزمها على الحفاظ على المكتسبات التي حققتها منذ عام 2003. ويبقى السؤال الجوهري: هل تمتلك إدارة دونالد ترامب القدرة على تصويب خطأ تاريخي أحدث اختلالاً جذرياً في توازنات القوى في الشرق الأوسط وما وراءه؟