تقية بغداد…حين يتحول الضغط الخارجي إلى وسيلة للهروب من القرار.

انس الشيخ مظهر

هناك مشهد باتت بغداد تتقنه أكثر مما تتقن أي إنجاز فعلي على الأرض , فكلما اشتد الضغط الأمريكي، استيقظت فجأة لغة الدولة والسيادة وحصر السلاح ومحاسبة الفاسدين، وبدا وكأن البلاد تقف على أعتاب لحظة تأسيسية حقيقية . لكن ما إن يهدا الضغط الامريكي ، أو تصل رسالة من طهران، حتى يبدأ ذلك الخطاب بالتراجع ويخفت تدريجياً، ويعود كل شيء تقريباً إلى ما كان عليه، وكأن شيئاً لم يكن .
هذه السياسة المتكررة لبغداد لا يمكن وصفها بانها مناورة سياسية عابرة. فالمناورة تفترض وجود هدف واضح تسعى الأطراف السياسية إلى تحقيقه بأقل الخسائر، بينما ما يجري في العراق هو إدارة لازمة مستمرة دون إرادة حقيقية لإنهائها , مما يجعل من هذه السياسة وسيلة لكسب الوقت وامتصاص الضغوط، لا مقدمة لتغيير الواقع . وعندما يصبح الكلام الموجّه إلى الخارج مختلفاً عن السلوك في الداخل، فإن المسألة تتجاوز حدود التكتيك السياسي لتتحول إلى نمط مهزوز في إدارة الدولة.
عندما كانت واشنطن تضغط باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، ارتفعت فجأة الأصوات المطالبة بذلك. وحين كان المطلوب إظهار جدية في مواجهة الفصائل المسلحة، ظهرت تصريحات سقفها عالي عن سيادة القانون وهيبة الدولة. لكن الموقف الحقيقي لا تكشفه التصريحات بقدر ما تكشفه الخطوات التي تأتي بعدها. والسؤال الأهم هو ما ذا حصل بعد هذه التصريحات؟
وهنا تحديداً تظهر المفارقة. فبعد زيارة لمسؤولين ايرانيين الى بغداد تغير الخطاب واصبح اكثر مرونة لنسمع تصريحات جديدة من قبيل ان نهاية الشهر الحالي ليس موعدا نهائيا لحصر السلاح , والجهة المسؤولة عن جمع السلاح وكيفية حصره . وهذا لا يثبت، بطبيعة الحال، وجود صفقة مكتوبة أو توجيه مباشر من الخارج، لكنه يثير علامات استفهام حول فيما اذا كانت الحدة السابقة تجاه الفصائل تعبيراً عن موقف سياسي حقيقي، أم أنها كانت فسحة مؤقتة للمناورة إلى أن تصل الرسالة المقابلة؟
يمكن تسمية هذا النمط من الممارسة بـ«التقية السياسية» , بمعنى القدرة على إنتاج خطاب مختلف لكل طرف وفقاً لما يريد سماعه..
*/ أمام واشنطن يكون الحديث عن الدولة والقانون وحصر السلاح.
*/ في الداخل تُراعى حساسيات الفصائل المسلحة.
*/ مع طهران تُرسل رسائل تطمين بأن العراق لن يذهب بعيداً في أي مسار يمكن أن يمس نفوذها…
بهذه الطريقة، يجد صاحب القرار نفسه مستفيداً من المنطقة الرمادية. فهو لا يقول لواشنطن وطهران «لا» صريحة كي لا يتحمل كلفة المواجهة معهما كل على حدة، ولا يقول للفصائل «نعم» صريحة كي لا يتحمل مسؤولية الدفاع عن استمرار نفوذها , بل يبقى في منتصف المسافة، محتفظاً بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة، ولو كان ثمن ذلك غياب الموقف الواضح..
والاخطر من هذا وذاك هو الضغط الإيراني، الذي يفترض أن يكون تحدياً أمام استقلال القرار العراقي، هذا الضغط يمكن أن يتحول إلى ذريعة جاهزة في مواجهة الأمريكيين كلما طُلب تنفيذ التزام حصر السلاح , ولسان حالهم يقول ” نريد حصر السلاح، لكن هناك ضغط إيراني” او “نريد الإصلاح، لكن التوازنات الداخلية تمنعنا” او “نريد مواجهة الفساد، لكن الظروف السياسية لا تسمح”…. وبذلك يتحول الضغط الخارجي إلى مظلة مريحة لتبرير العجز الداخلي.
فمن جهة، يمكن استخدام الضغط الأمريكي أمام الجمهور العراقي لتبرير عدم اتخاذ خطوات حاسمة تجاه الفصائل، ومن جهة أخرى يمكن تقديم النفوذ الإيراني للأمريكيين بوصفه سبباً يمنع الحكومة من تنفيذ ما يُطلب منها. وفي الحالتين، يبقى المستفيد الحقيقي من هذه المعادلة هو استمرار الوضع القائم، بينما يظل القرار الفعلي مؤجلاً إلى أجل غير معلوم..
وهنا يدخل عامل جديد للمعادلة وهو ظاهرة “التهديدات” السياسية التي أصبحت جزءاً شبه دائم من المشهد العراقي. فكلما ارتفعت لهجة سياسي ضد فصيل مسلح أو ملف فساد، سرعان ما يظهر الحديث عن وجود تهديدات مباشرة تلقاها هذا السياسي. ولا شك أن بعض هذه التهديدات قد تكون حقيقية وخطيرة، لكن المشكلة هي عندما يتحول الحديث عن هذه التهديدات إلى بديل عن تقييم الأداء السياسي نفسه , فيتحول مجرد رفع الصوت لدليل على الشجاعة، حتى لو لم يترتب عليه أي تغيير حقيقي في موازين القوة أو في أداء مؤسسات الدولة. فالتهديد، مهما كان خطيراً، لا ينبغي أن يصبح شهادة إعفاء من المساءلة السياسية.
السياسة في النهاية لا تُقاس بحرارة الخطاب، ولا بعدد المرات التي تتكرر فيها عبارة «حصر السلاح بيد الدولة»، ولا بحجم التصريحات التي تتحدث عن السيادة. السياسة تُقاس بما يفعله صاحب القرار عندما تتوافر له القدرة على الفعل.
فإذا كان السلاح بالامس خارج سيطرة الدولة , وبقي اليوم خارج سيطرتها، وإذا كانت الأصوات المطالبة بحصره ترتفع مع اشتداد الضغط الخارجي ثم تخفت بمجرد تبدل الظروف الإقليمية، فمن حق أي مراقب أن يسال :- هل كنا أمام قرار سياسي حقيقي كان ينتظر فقط الظروف المناسبة لتنفيذه، أم كنا أمام خطاب مؤقت صُمم أساساً لعبور مرحلة الضغط الخارجي؟
يبدو أن التعامل مع السيادة العراقية يكون أحياناً وكأنه إدارة لخطاب متعدد النسخ “نسخة موجهة إلى الغرب، ونسخة أخرى إلى الداخل، وثالثة إلى الحلفاء الإقليميين” . بينما يبقى القرار الفعلي محكوماً بسقف واحد لا يرغب أحد في تجاوزه، مهما اختلفت اللغة المستخدمة أمام كل جمهور.
قد تبدو هذه السياسة ناجحة لفترة، لأنها تمنح الجميع ما يكفي من الكلام لتجنب المواجهة، لكنها تحمل في داخلها بذور فشل مستدام للدولة . فالتناقض بين القول والفعل لا يختفي مع مرور الوقت، بل يتراكم. وكل خطاب جديد عن السيادة لا يتبعه فعل حقيقي يجعل الخطاب السابق أقل إقناعاً، إلى أن يفقد المواطن اي ايمان له بوجود دولة او امل مستقبلي في ايجادها.
فحصر السلاح بيد الدولة لا يحتاج إلى تكرار الشعارات بقدر حاجته إلى خطوات واضحة، وجداول زمنية محددة، وقرارات قابلة للقياس، ومؤسسات قادرة على فرض القانون. أما إذا ظل الخطاب يهدأ كلما هدأ الضغط الخارجي، وظل الحديث عن الظروف والتوازنات يعود كلما اقترب استحقاق حقيقي، فمن حق المواطن ان يسال هل كانت الدولة عاجزة فعلاً عن تنفيذ قرارها، أم أن ذلك القرار لم يكن موجوداً أصلاً خارج حدود الخطاب الموجه إلى الخارج؟ وهذا النهج ليس نهجا لدولة تقرر مصيرها بإرادتها الخاصة، بل هو نهج سلطة تحاول أن تبقى مقبولة لدى الجميع إلى أن تنتهي ظروف معينة ، لتعود إلى وضعها دون أن تضطر إلى مواجهة حقيقة التناقض بين ما قالته وما فعلته.
يجب على الحكومة العراقية ان تدرك ان السيادة لا تظهر عندما يكون القرار سهلاً، ولا عندما يكون إعلان الموقف مجرد خطاب أمام جمهور يعرف مسبقاً ما يريد سماعه. السيادة تظهر عندما يصبح القرار مكلفاً، وعندما تدرك الدولة أن عليها أن تدفع ثمنه ، والا فانها ستتحول إلى مساحة تتقاطع فيها إرادات الآخرين. فالدولة التي تحتاج في كل مرة إلى ضغط خارجي كي تتذكر سيادتها، وإلى رسالة خارجية أخرى كي تتراجع عنها، قد تكون نجحت في إدارة التوازنات، لكنها بالتاكيد لم تنجح بعد في إدارة نفسها..

قد يعجبك ايضا