«الزيدي… إنسانٌ مشروعٌ متغيّر» «اشتغل للعراق»… مقولةُ رئيس الوزراء التي تختصر فلسفةَ العمل للأجيال القادمة

د. نادية الجدوع

ليست كلُّ العبارات تُقال لكي تُسمع؛ بعضها يُقال لكي يتحول إلى منهج عمل.

وحين يقول رئيس الوزراء علي الزيدي: «اشتغل للعراق»، فإن العبارة تتجاوز معناها المباشر لتفتح سؤالاً أكبر: لمن نعمل؟ ولأيّ عراقٍ نبني؟ ولأيّ جيلٍ نترك ما نصنعه اليوم؟

هنا لا تعود المسألة مرتبطة بمرحلةٍ أو منصب، بل بفكرةٍ أعمق:
أن يكون الإنسان مشروعاً متغيّراً مع حاجات وطنه، ثابتاً في غايته، متجدداً في أدواته، ومخلصاً للنتيجة التي تبقى بعده.

الزيدي… إنسانٌ لا يُقاس بما يشغله، بل بما يتركه

في فلسفة الدولة، لا تكفي إدارة الحاضر.

الحاضر يحتاج إلى إدارة، نعم؛ لكن المستقبل يحتاج إلى رؤية.

والفرق كبير بين مسؤولٍ ينظر إلى نهاية السنة، ومسؤولٍ يفكر بما سيحتاجه العراق بعد عشر سنوات. بين من يبحث عن إنجازٍ يُعلن، ومن يبحث عن مشروعٍ يستمر. بين من يريد أن يُحسب له ما أنجز، ومن يريد أن يجد القادمون بعده شيئاً أفضل مما وجده هو.

لهذا تأتي عبارة «اشتغل للعراق» كأنها مفتاحٌ لفكرةٍ كاملة:

اعمل لبلدٍ لا لشخص، ولمستقبلٍ لا للحظة، وللأجيال لا للصورة.

العراق ليس مشروع اليوم… العراق أمانة الغد

ما نبنيه اليوم لن يبقى لنا وحدنا.

المدرسة التي تُبنى اليوم سيجلس فيها طفلٌ سيصبح غداً مهندساً أو طبيباً أو قاضياً أو عالماً.

والطريق الذي يُنجز اليوم سيعبره جيلٌ لم يولد بعد.

والمصنع الذي يبدأ اليوم قد يكون مصدر رزق آلاف العائلات بعد سنوات.

والجامعة التي تتطور اليوم قد تخرج عقلاً عراقياً ينافس في العالم.

والتحول الرقمي الذي يبدأ اليوم قد يصبح غداً أساس الإدارة الحديثة للدولة.

لهذا فإن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس فقط بما نراه الآن، وإنما بما سيصنعه هذا الإنجاز في حياة من سيأتي بعدنا.

«اشتغل للعراق»… الزبدة

هذه ليست دعوة إلى العمل فقط.

إنها دعوة إلى تغيير طريقة التفكير بالعمل العام.

أن لا يكون السؤال:

ماذا أنجزنا اليوم؟

بل:

ماذا سيبقى من إنجازنا غداً؟

فالمشروع الذي ينتهي بانتهاء صاحبه يبقى مشروعاً مؤقتاً، أما المشروع الذي يستمر ويكبر ويُطوّر نفسه ويخدم أجيالاً متعاقبة، فهو الذي يقترب من معنى بناء الدولة.

وهنا تتحول عبارة رئيس الوزراء علي الزيدي من مقولة إلى مسؤولية:

اشتغل للعراق… حتى لو لم ترَ أنت كل ثمار ما تعمل.

الإنسان المشروع

الإنسان الذي يريد أن يصنع فرقاً في وطنه لا يمكن أن يبقى نسخةً واحدة من نفسه.

يتعلم، يراجع، يصحح، يغيّر أدواته، ويبحث عن الأفضل.

وهكذا يجب أن تكون الدولة.

دولة تتعلم من تجربتها، وتتغير مع العالم، وتنتقل من ردّ الفعل إلى صناعة الفعل.

العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى من يدير مؤسساته، بل إلى من يمتلك شجاعة التفكير في العراق الذي لم يولد بعد.

عراق الصناعة.

عراق الاقتصاد المنتج.

عراق الطاقة.

عراق التكنولوجيا.

عراق التعليم الحديث.

عراق الإدارة الذكية.

عراق الفرص أمام شبابه ونسائه.

عراقٌ لا يكون فيه المستقبل مجرد أمنية، بل مشروعاً له خطة وقرار وإرادة وإنجاز.

لا تعمل لكي تُصفَّق لك اللحظة

هناك إنجازات تصنع ضجيجاً كبيراً ثم تختفي.

وهناك إنجازات هادئة لا تحتاج إلى كثير من الكلام، لأنها تتحدث عن نفسها بعد سنوات.

العمل الحقيقي هو الذي يبقى عندما تنطفئ الكاميرات.

المشروع الحقيقي هو الذي يواصل خدمة الناس بعد انتهاء الاحتفال.

والدولة الحقيقية هي التي تستطيع مؤسساتها أن تستمر، وتتطور، وتنجز، مهما تغير الأشخاص.

فالتاريخ لا يحتفظ بمن افتتح المشروع فقط، بل بمن جعل المشروع يستمر.

الحلم الذي يتحول إلى دولة

نحن لا نريد عراقاً يكتفي بإدارة أزماته.

نريد عراقاً يصنع فرصه.

ولا نريد جيلاً يرث ملفاتنا الثقيلة، بل جيلاً يرث اقتصاداً أقوى، وتعليماً أفضل، ومؤسسات أكثر كفاءة، وثقة أكبر بالمستقبل.

وهذا لا يتحقق دفعة واحدة.

الدول تُبنى بالتراكم.

قرارٌ صحيح فوق قرارٍ صحيح.
مشروعٌ فوق مشروع.
إصلاحٌ يتبعه إصلاح.
وفكرةٌ تتحول إلى خطة، والخطة إلى عمل، والعمل إلى إنجاز، والإنجاز إلى إرث وطني.

في النهاية… ماذا سنترك؟

قد تتغير الحكومات.

قد تتبدل المواقع.

قد تتغير الأسماء.

لكن العراق يبقى.

ويبقى السؤال الذي لا يسقط بالتقادم:

ماذا تركنا للعراق؟

إن عملنا للحظة، سيذكرنا الناس في لحظة.

وإن عملنا للمستقبل، سيذكرنا المستقبل.

أما إذا عملنا للأجيال القادمة، فسنكون قد شاركنا في بناء شيء أكبر من أسمائنا ومواقعنا:

سنكون قد تركنا وطناً أكثر قدرة على الوقوف.

وهنا تكمن فخامة مقولة رئيس الوزراء علي الزيدي:

«اشتغل للعراق»

كلمات قليلة… لكنها تحمل مشروعاً كاملاً:

أن يكون الإنسان عابراً في المنصب، باقياً في الأثر؛
وأن يكون العمل للحاضر، لكن بعينٍ لا تغفل عن المستقبل؛
وأن يكون العراق هو البداية… والغاية… وما يبقى بعد الجميع.

قد يعجبك ايضا