التفاوض القتالي

فهيل عبدالباسط عبدالكريم

لقد تكبّدت إيران تبعات الضربات العسكرية، والضغوط الاقتصادية، وتآكل البنى التحتية، فضلاً عن حالة من عدم اليقين الاستراتيجي. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري حول الأسباب التي قد تجعل من خيار “الصراع المحدود” مع الولايات المتحدة خياراً أكثر جدوى من “السلام” في المنظور الإيراني. تكمن الإجابة في التمييز المفاهيمي بين السلام والتسوية؛ إذ ترى طهران أن السلام في ظل غياب تنازلات جوهرية قد لا يفضي سوى إلى تكريس العقوبات، وتعميق العزلة الدبلوماسية، واستمرار الضغوط العسكرية الأمريكية.

وعليه، تراهن طهران على أن انخراطها في صراع محدود قد يمنحها أوراق ضغط استراتيجية، من شأنها رفع التكلفة السياسية والأمنية للتوجهات الأمريكية، وتعزيز موقعها التفاوضي. ولا يعني هذا التوجه رغبة إيرانية في الانزلاق نحو مواجهة شاملة، لما قد يترتب عليها من تداعيات كارثية على الاقتصاد الوطني والاستقرار الداخلي، بل تكمن الغاية الاستراتيجية في إبقاء المواجهة ضمن أطر مضبوطة، بحيث تكون كافية لفرض أعباء ملموسة تُجبر واشنطن على إعادة تقييم حساباتها الراهنة.

لا تكمن الميزة الاستراتيجية لإيران في قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة في حرب تقليدية، إذ تفتقر إلى المقومات اللازمة لذلك، بل تتركز قوتها في امتلاك القدرة على جعل التكلفة السياسية والعسكرية للوجود الأمريكي باهظة ومقيدة. وتمنح الجغرافيا السياسية لمنطقة الخليج طهران أدوات تأثير فاعلة؛ إذ يظل مضيق هرمز شرياناً حيوياً لأسواق الطاقة العالمية، حيث يؤدي أي اضطراب فيه إلى قفزات حادة في أسعار النفط، واضطرابات في قطاع الشحن البحري، مما يولد ضغوطاً تتجاوز في آثارها النطاق الجغرافي للعمليات العسكرية، وقد بات هذا الممر المائي بؤرة مواجهة محورية في صراع عام 2026. وتفرض هذه المعطيات معادلة معقدة على واشنطن؛ فبينما قد تنجح حملة عسكرية محدودة في تدمير أهداف استراتيجية مختارة، إلا أنها تظل عاجزة عن تحييد قدرة إيران على الرد وتوسيع نطاق المواجهة إقليمياً. وبناءً على ذلك، تنجح طهران في إثبات أن أي ضغط عسكري عليها سيقابله تبعات اقتصادية وسياسية جسيمة.

يُعدّ الصراع الخارجي أداةً استراتيجية توظفها طهران لتعزيز تماسكها السياسي الداخلي بشكل مؤقت؛ إذ تشهد الساحة السياسية الإيرانية انقساماً بين تيارين: أحدهما يتبنى نهج المواجهة والمقاومة الأيديولوجية، والآخر يرى في الضغوط الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي مبررات تدفع نحو انتهاج مسار تفاوضي. وفي هذا السياق، تساهم النزاعات العسكرية في ترجيح كفة التيار الأول عبر تأطير المشهد السياسي ضمن سياق “البقاء القومي”.

وتشير التقارير الراهنة إلى استمرار التماسك بين القيادات الإيرانية رغم تباين رؤاهم تجاه أهداف الحرب؛ ففي حين يصرّ المتشددون على مواصلة المقاومة، يرى البراغماتيون في الضغوط العسكرية وسيلةً لانتزاع تسوية تفاوضية. علاوة على ذلك، توفر المواجهة مع الولايات المتحدة غطاءً لصرف الانتباه العام عن الأزمات الداخلية وتوجيهه نحو قضايا السيادة الوطنية. ومع ذلك، تبقى لهذه الاستراتيجية محددات؛ إذ إن تفاقم الخسائر البشرية وتصاعد حدة الأزمات الاقتصادية والمعيشية قد يفضي إلى نتائج عكسية، مؤججاً بذلك حالة من السخط الشعبي.

قد يفرض إرساء سلام دائم على طهران تحديات هيكلية كانت الحرب تحجبها مؤقتاً؛ إذ إن تخفيف العقوبات الاقتصادية من شأنه أن يرفع سقف التوقعات الشعبية بتحسن الأوضاع المعيشية، كما أن الانفتاح الدبلوماسي قد يضع الحكومة أمام استحقاقات مجتمعية أكثر اتساعاً. علاوة على ذلك، قد تواجه أي تنازلات في الملف النووي معارضة صريحة من المؤسسات الأمنية النافذة، فضلاً عن أن التطبيع مع الغرب قد يُفقد الخطاب المعادي للولايات المتحدة -الذي طالما اتسمت به هوية الجمهورية الإسلامية لعقود- قيمته السياسية. وبناءً على ذلك، فإن السلام قد يُنهي حالة التهديد الخارجي التي تتخذها الدولة ذريعةً لتبرير سياساتها الاستثنائية داخلياً. ولهذا، تبدو المواجهة المحدودة في نظر القيادة الإيرانية أكثر أماناً من التسوية الشاملة، إذ تتيح لها الحفاظ على سردية “المقاومة” مع الإبقاء على قنوات الدبلوماسية مفتوحة في آن واحد.

لا تجني إيران مكاسب استراتيجية إلا في ظل محدودية نطاق الصراع؛ إذ إن استطالة أمد الحرب قد تفضي إلى تداعيات جسيمة، تشمل تدمير البنى التحتية، وتفاقم معدلات التضخم، وتعطيل صادرات الطاقة، فضلاً عن تعميق العزلة الدولية، وتزايد احتمالات التدخل الأمريكي المباشر. وتؤكد الدراسات المعنية بمواجهة إيران الممتدة مع الغرب وجود خسائر هيكلية مستمرة في الناتج المحلي، ومعدلات الاستثمار، والاندماج التجاري، والأداء المؤسسي. ويظل الخطر الأكبر كامناً في احتمالية سوء التقدير؛ فالتصعيد المحسوب بهدف التحذير قد يؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين، كما أن أي هجوم انتقامي قد يطال حليفاً إقليمياً، أو قد يتسبب حادث بحري في إغلاق ممر ملاحي حيوي، مما يولد سلسلة من التفاعلات المتلاحقة التي قد تفضي إلى تصعيد غير منضبط.

وعليه، فإن الاستراتيجية المثلى لطهران تكمن في تبني حالة من “اللاحرب واللاسلم”، عبر انتهاج مواجهة مضبوطة الإيقاع، تُفضي إلى مفاوضات من موقع تفاوضي أكثر قوة. ولا يكمن هدف طهران في تحقيق انتصار عسكري على الولايات المتحدة، بل في إقناع واشنطن باستحالة إخضاع إيران بتكلفة محدودة، مع الحرص على الاحتفاظ بقدر كافٍ من المقومات الاقتصادية والعسكرية لدعم موقفها التفاوضي. وهذا ما يفسر مفارقة الأزمة الراهنة؛ إذ تدرك إيران أن خيار الحرب المحدودة قد يخدم مصالحها بجعل السلام خياراً أكثر جاذبية وفق شروط تتماشى مع طموحاتها. بيد أن هذا المسار محفوف بالمخاطر؛ ففي حال عجزت طهران عن ضبط وتيرة التصعيد، فإن الحرب المحدودة التي تراهن عليها لتعزيز نفوذها قد تتحول إلى مواجهة شاملة تهدد كيانها ذاته.

قد يعجبك ايضا