التحرش ليس ثقافة ولا ديناً… إنه سقوط مجتمع يصمت

نجاح هيفو

حين يتحرش مسن بطفلة، فالمصيبة ليست في الجسد الذي اعتُدي عليه فقط… المصيبة في مجتمع قد يبحث عن تبرير للمعتدي قبل أن يسأل: كيف نحمي الطفلة؟

لم تعد أخبار التحرش في بعض المناطق السورية مجرد حوادث عابرة تُتداول لساعات على مواقع التواصل ثم تُنسى. الفيديوهات والشهادات التي تظهر بين فترة وأخرى، وآخرها مقطع متداول يوثق اعتداءً من رجل مسن على فتاة صغيرة، تفرض علينا سؤالاً أخطر من الحادثة نفسها:

هل نحن أمام انحرافات فردية، أم أمام ثقافة صمت تسمح للانحراف بأن يتكرر؟

قبل أي شيء، يجب أن نقولها بوضوح: الطفل لا يتحرش به لأنه استفز أحداً، والمرأة لا تتحرش بها لأنها كانت ترتدي كذا، والفتاة ليست مسؤولة عن ضعف أخلاق المعتدي.

المسؤول عن التحرش هو المتحرش.

هذه ليست جملة عاطفية، بل قاعدة أخلاقية واجتماعية وقانونية.

هل التحرش ثقافة أم دين؟

لا.

التحرش ليس ديناً. وليس من تعاليم الإسلام. وليس من قيم المجتمع السوري.

الدين الذي يتحدث عن العفة وضبط النفس وحرمة الاعتداء على الآخرين لا يمكن أن يكون غطاءً لمتحرش.

وفي الوقت نفسه، من الخطأ أن نختبئ خلف كلمة “الدين” ونفترض أن مجرد وجود الوازع الديني كافٍ لمنع الجريمة. الواقع أكثر تعقيداً.

فالجريمة قد تقع في مجتمع متدين، وغير متدين، فقير، غني، محافظ أو منفتح.

لأن المشكلة في النهاية ليست في لباس الضحية، ولا في اسم المنطقة، ولا في عمر المعتدي.

المشكلة في إنسان قرر أن ينتهك حدود إنسان آخر، وفي مجتمع قد يسمح له بالإفلات من العواقب.

والأخطر من الجريمة نفسها أن يتحول النقاش إلى محاكمة للضحية.

“لماذا كانت هناك؟”

“لماذا لم تهرب؟”

“ماذا كانت ترتدي؟”

“لماذا لم تصرخ؟”

أسئلة كثيرة تُطرح على الضحية، بينما السؤال الوحيد الذي يجب أن يسبقها جميعاً هو:

ماذا فعلنا بالمعتدي؟

حين يكون الضحية طفلاً… تسقط كل الأعذار

التحرش بطفلة ليس “تصرفاً سخيفاً”.

وليس “مزحة ثقيلة”.

وليس “رغبة لم يستطع الرجل السيطرة عليها”.

إنه اعتداء على طفل لا يملك أصلاً الأدوات النفسية والاجتماعية التي تمكّنه من الدفاع عن نفسه كما يفترض.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن الاعتداءات الجنسية على الأطفال في سورية تشمل جرائم متعددة يعاقب عليها القانون، كما أن الأمم المتحدة أشارت إلى أن العنف الجنسي المرتبط بالأطفال يُعتقد أنه أقل من حجمه الحقيقي بسبب الخوف من الوصمة والانتقام وضعف سيادة القانون ونقص خدمات الدعم.

وهنا علينا أن نتوقف طويلاً أمام كلمة “الصمت”.

لأن كثيراً من الجرائم لا تستمر لأن المعتدي قوي فقط، بل لأنها محاطة بجدار من الخوف.

الخوف من الفضيحة.

الخوف من كلام الناس.

الخوف من العائلة.

الخوف من أن تتحول الضحية إلى متهمة.

الخوف من أن يقول أحدهم: “دعونا نستر على الموضوع”.

لكن أي ستر هذا الذي يحمي المعتدي ويترك الطفل يحمل الجريمة في ذاكرته؟

أخطر ما في التحرش: ثقافة تبريره

المتحرش فرد.

لكن صناعة البيئة التي تسمح له بالاستمرار مسؤولية مجتمع كامل.

عندما يضحك الناس على التحرش اللفظي، فإنهم يطبعون معه.

عندما يعتبر لمس الفتاة في الشارع “شيئاً بسيطاً”، فإنهم يصنعون سلماً يبدأ بالمضايقة وقد ينتهي باعتداء أخطر.

عندما يخاف أهل الضحية من تقديم شكوى أكثر من خوف المعتدي من العقوبة، فهناك خلل عميق.

وعندما تتحول سمعة العائلة إلى أهم من سلامة طفلة، فنحن أمام مشكلة أكبر من التحرش نفسه.

لقد أشارت نقاشات حقوقية سورية سابقة إلى أن من أبرز العقبات أمام مواجهة التحرش: العادات الاجتماعية، والخوف من الوصمة، والجهل بالقانون، والتساهل في التعامل مع الأذى الذي يسببه التحرش.

وهذا يعني أن المعركة ليست فقط مع المتحرش.

المعركة أيضاً مع الثقافة التي تجعله يعتقد أن بإمكانه الإفلات.

لا تجعلوا ملابس النساء شماعة لجرائم الرجال

هذه النقطة تحتاج إلى حسم.

يمكن لأي مجتمع أن يناقش اللباس، والاختلاط، والحدود الاجتماعية، والقيم الأخلاقية، كما يشاء.

لكن لا يجوز تحويل هذه النقاشات إلى تبرير لجريمة.

فالقول إن امرأة كانت ترتدي ملابس معينة لا يمنح أحداً حق لمسها.

والقول إن طفلة كانت وحدها لا يمنح بالغاً حق الاقتراب منها.

والقول إن الرجل “كبير في السن” لا يجعله معصوماً من المسؤولية.

العمر لا يصنع البراءة.

والدين لا يمنح حصانة للمعتدي.

والفقر ليس عذراً.

والحرب ليست عذراً.

والاضطراب النفسي ـ إن وُجد ـ لا يلغي ضرورة حماية المجتمع ومحاسبة المعتدي وفق القانون.

سورية تحتاج إلى كسر دائرة الصمت

لا يمكن معالجة التحرش بمنشور غاضب كلما ظهر فيديو جديد.

نحتاج إلى منظومة كاملة تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند القضاء.

أولاً: التربية.

يجب أن يتعلم الطفل منذ الصغر أن جسده ملك له، وأن هناك حدوداً لا يحق لأحد تجاوزها، وأن من حقه أن يقول “لا”، وأن يخبر شخصاً بالغاً يثق به إذا تعرض لأي تصرف غير مقبول.

ثانياً: حماية الضحية.

عندما تتحدث طفلة عن اعتداء، يجب أن يكون أول رد فعل: “نحن نصدقك ونحميك”، لا “لماذا لم تخبرينا من قبل؟”.

ثالثاً: عدم التشهير بالضحايا.

لا أسماء، لا صور، لا نشر للفيديوهات، ولا تداول لتفاصيل تكشف هوية الأطفال.

نشر مقطع الاعتداء عشرات الآلاف من المرات لا يحمي الضحية؛ وقد يحولها إلى ضحية مرة ثانية.

رابعاً: تطبيق القانون.

القانون السوري يتضمن نصوصاً تعاقب أفعالاً جنسية منافية للحياء بحق القاصرين، ومنها لمس أو مداعبة قاصر بصورة منافية للحياء.

لكن وجود النص وحده لا يكفي.

المجتمع يحتاج إلى شرطة وقضاء وآليات تبليغ فعالة، وإلى ضمان ألا تتحول الشكوى إلى رحلة إذلال جديدة للضحية.

خامساً: حماية الأطفال في الأماكن العامة.

المدرسة، الطريق، وسائل النقل، أماكن التجمع، أماكن العمل، وحتى البيئة الرقمية؛ كلها تحتاج إلى سياسات واضحة للتبليغ والاستجابة.

سادساً: مواجهة ثقافة “لا تفضحونا”.

إذا كان كشف الجريمة هو الفضيحة، فما اسم الجريمة التي ارتُكبت بحق الطفل؟

العار ليس على الطفل.

العار على من اعتدى عليه.

والعار الأكبر حين يعرف الناس، ثم يصمتون.

لا نريد مجتمعاً يخاف فيه الأب على ابنته من كلام الناس

نريد مجتمعاً يخاف فيه المعتدي من القانون.

نريد أن تعرف الفتاة أن صراخها لن يتحول إلى تهمة.

وأن يعرف الطفل أن هناك بالغين سيحمونه.

وأن يعرف المتحرش أن المجتمع لن يضحك معه، ولن يبرره، ولن يبحث له عن أعذار.

نريد رجالاً يعلّمون أبناءهم احترام النساء والفتيات، لا مراقبتهن.

ونريد شيوخاً ورجال دين يتحدثون بوضوح عن حرمة الاعتداء، لا أن يختزلوا القضية في لباس الضحية.

ونريد مدارس تربي على احترام الجسد والحدود الشخصية، لا على الخجل من كل حديث عن حماية الطفل.

ونريد إعلاماً يكشف الظاهرة دون أن يحول الضحية إلى مادة للفرجة.

والسؤال الأخير: من الذي نريد أن نحميه؟

في كل مرة يظهر فيها مقطع تحرش، تبدأ معركة التعليقات.

فريق يهاجم المعتدي.

فريق يبرر.

فريق يبحث عن هوية الفتاة.

فريق يسأل عن ملابسها.

وفريق يطالب بالعقوبة.

لكن وسط كل هذه الضوضاء قد ننسى الإنسان الأهم في القصة:

الطفلة.

هي التي ستنام الليلة وهي تحمل ذكرى لم تخترها.

هي التي قد تخاف من الشارع.

قد تخاف من الرجال.

قد تخاف من الكلام.

وقد تحمل آثار الاعتداء سنوات طويلة.

لذلك، قبل أن نطالبها بأن تكون “قوية”، علينا أن نسأل أنفسنا:

هل كنا نحن مجتمعاً قوياً بما يكفي لحمايتها؟

التحرش ليس ثقافة سورية.

وليس ديناً.

وليس قدراً.

إنه جريمة يمكن مواجهتها.

لكن مواجهتها تبدأ من لحظة نتوقف فيها عن سؤال الضحية: “ماذا فعلتِ؟”

ونبدأ بسؤال المعتدي:

“كيف تجرأت؟ ومن سيحاسبك؟”

لأن المجتمع الذي يحمي سمعة المعتدي أكثر مما يحمي طفله، لا يحتاج إلى مزيد من الخطب عن الأخلاق… بل يحتاج إلى ثورة أخلاقية حقيقية.

قد يعجبك ايضا