عفت شهاب الدين
يرى علم النفس أن الضحك ليس مجرد استجابةلموقف مضحك، بل هو عملية نفسية وفسيولوجيةمعقدة تؤثر في الدماغ والجسم معاً. فعندما نضحك،يفرز الدماغ مجموعة من المواد الكيميائية مثلالإندورفين والدوبامين، وهما من الهرمونات المرتبطةبالشعور بالسعادة والراحة. كما ينخفض مستوىهرمون الكورتيزول، وهو الهرمون المسؤول عن التوتروالضغط النفسي. لذلك، يشعر الإنسان غالباً براحةنفسية بعد نوبة من الضحك الصادق.
تشير العديد من الدراسات النفسية إلى أن الضحكيساعد في تخفيف مستويات القلق والاكتئابالخفيف إلى المتوسط، خاصة عندما يكون جزءاً منالتفاعل الاجتماعي. فالضحك مع الأصدقاء أو أفرادالعائلة لا يخفف التوتر فحسب، بل يعزّز أيضاًالشعور بالانتماء والدعم الاجتماعي، وهما عاملانأساسيان في الحفاظ على الصحة النفسية.
ولا يقتصر تأثير الضحك على المشاعر فقط، بل يمتدإلى الجسد أيضاً. فقد أظهرت الأبحاث أن الضحكيحفّز الدورة الدموية، ويساعد على استرخاءالعضلات، ويحسن عملية التنفس من خلال زيادةكمية الأكسجين التي تصل إلى الجسم. كما تشيربعض الدراسات إلى أنه قد يساهم في تقوية الجهازالمناعي بشكل غير مباشر، لأن انخفاض التوتريساعد الجسم على أداء وظائفه بصورة أفضل.
ما هو العلاج بالضحك؟
من منظور العلاج النفسي، ظهرت أساليب تُعرفباسم “العلاج بالضحك” أو “العلاج بالفكاهة“، حيثيتم استخدام الأنشطة المرحة والقصص الكوميديةوتمارين الضحك الجماعي كوسائل مساعدةلتحسين المزاج وتقليل الضغط النفسي. ورغم أن هذهالأساليب ليست علاجاً مستقلاً للاضطراباتالنفسية، فإنها قد تكون مكملة للعلاج التقليدي،خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من ضغوطالحياة اليومية أو الأمراض المزمنة.
لكن من المهم التمييز بين “الضحك الحقيقي” و“الضحك القسري“. فالابتسام أو الضحكالمصطنع لإخفاء المشاعر أو لإرضاء الآخرين لا يمنحالفوائد نفسها التي يمنحها الضحك العفوي. بل إنإخفاء المشاعر السلبية باستمرار قد يؤدي إلىتراكمها وزيادة الضغط النفسي مع مرور الوقت. لذلك، يشجع علماء النفس على التعبير الصادق عنالمشاعر، سواء كانت فرحاً أو حزناً، مع السعي إلىإيجاد لحظات حقيقية من المرح والبهجة.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحّول عبارة “الضحكأفضل دواء” إلى وسيلة لتقليل أهمية المعاناةالنفسية. فالأشخاص الذين يعانون من اضطراباتمثل الاكتئاب الشديد أو اضطرابات القلق أوالصدمات النفسية يحتاجون إلى تقييم وعلاجمتخصص، وقد يشمل ذلك العلاج النفسي أوالدوائي أو كليهما. الضحك يمكن أن يكون داعماًللعلاج، لكنه لا يغني عنه عندما تكون المشكلة أعمق.
الضحك والعلاقات الإنسانية
الضحك يلعب دوراً مهماً في بناء العلاقاتالإنسانية. فعندما نضحك مع الآخرين، نزداد شعوراًبالقرب منهم، وتتحسن قدرتنا على التواصل، ويصبححل الخلافات أسهل في كثير من الأحيان. لهذاالسبب، نجد أن العلاقات التي تتخللها روح الدعابةالصحية غالباً ما تكون أكثر استقراراً ومرونة فيمواجهة الضغوط.
إضافة إلى ذلك، يساعد الضحك الإنسان على تغييرطريقة نظرته إلى المواقف الصعبة. فالفكاهةالإيجابية لا تعني الاستهزاء بالمشكلات أو تجاهلها،وإنما تعني القدرة على رؤية جانب أخف من الحياة،مما يمنح العقل فرصة لإعادة تنظيم الأفكار والتعاملمع الضغوط بطريقة أكثر هدوءاً. ويُعرف هذا في علمالنفس بإعادة التقييم المعرفي، وهي مهارة تساعدعلى التكيف النفسي وزيادة المرونة في مواجهةالتحديات.
ولإدخال المزيد من الضحك إلى حياتنا، لا نحتاجإلى انتظار المناسبات السعيدة فقط. يمكن لمشاهدةفيلم كوميدي، أو قضاء وقت مع أشخاص إيجابيين،أو مشاركة مواقف طريفة، أو حتى السماح لأنفسنابالابتسام أكثر خلال اليوم، أن يصنع فرقاً ملحوظاًفي حالتنا النفسية. فالسعادة لا تأتي دائماً بعدانتهاء المشكلات، بل قد تكون إحدى الوسائل التيتمنحنا القوة للتعامل معها.
في النهاية، يمكن القول إن علم النفس يؤكد أنالضحك يحمل فوائد حقيقية للصحة النفسيةوالجسدية، لكنه ليس علاجاً سحرياً لكل شيء. فهويخفّف التوتر، يحسّن المزاج، يقوّي العلاقاتالاجتماعية ويعزّز قدرة الإنسان على التكيف معضغوط الحياة. لذلك، قد لا يكون الضحك أفضل دواءبالمعنى الحرفي، لكنه بلا شك أحد أكثر “الأدويةالطبيعية” التي تمنحنا شعوراً بالراحة والأمل، عندمايكون جزءاً من حياة متوازنة تجمع بين الاهتمامبالصحة النفسية، وطلب المساعدة عند الحاجة،والاستمتاع باللحظات الجميلة التي تمنح الحياةمعناها.