لماذا يلجأ بعض الرجال إلى عضلات أكبر فأكبر

متابعة التآخي

ولا يحدث ذلك لأنهم لا يملكون هذه المشاعر، بل لأنهمتعلموا أن التعبير عنها سوف يؤدي إلى السخريةمنهم أو ابتعاد الآخرين عنهم. وهكذا يصبح الجسدوسيلة التعبير الوحيدة. فيتصلب حيث ينبغي للكلامأن يتدفق، ويقسو حيث تكون الرقة مطلوبة. وتصبحالصالة الرياضية، بطقوسها المتكررة القائمة علىالشد والتحرر

قد يتحول السعي إلى بناء جسم قوي لدى بعضالرجال من ممارسة صحية تمنحهم الثقة والتوازنإلى نظام صارم يسيطر على حياتهم ويجعلهمأسرى للخوف والقلق والشعور المستمر بعدم الكفاية. وفي هذا المقال المنشور في منصة «سايكيpsyche.co»، يشرح المحلل النفسي توم وولدريدجكيف يصبح تضخيم العضلات لدى بعض الشبانوسيلة للتعبير عن مشاعر لا يستطيعون تسميتها أوالإفصاح عنها، وكيف يتحول الجسد إلى حصنيختبئون داخله من الضعف والحزن والحاجة إلىالآخرين. ويرى الكاتب أن العلاج لا يقوم علىالتخلي عن القوة، بل على الجمع بين القوة والقدرةعلى الاعتراف بالهشاشة والتعب والمشاعرالإنسانية.

ويقول الكاتب في مقاله:

قبل استشارتي الأولى مع دانيال، وهو شخصيةمركبة من عدد من الشبان الذين عملت معهم، كانيقف في غرفة الانتظار منتصبًا بصلابة، ومشحونًابالتوتر. كان قميصه يلتصق بجسد صاغته ساعاتطويلة من التدريب، وكانت الأوردة تبرز وتتموج تحتجلد ذراعيه.

وفي مكتبي، أخذ يتحدث بسرعة عن برنامجهالتدريبي، ومشروبات البروتين التي يخلطها كلبضع ساعات، والمكملات التي يشتريها من متجريبيع المساحيق في عبوات بلاستيكية كبيرة.

وعندما سألته عن حاله النفسية، ابتسم وهز كتفيهمن دون التزام بإجابة واضحة، وقال:

«أنا بخير. أحاول أن أبقى منضبطًا».

وخلال الأسابيع التالية، اكتشفت أن هذا«الانضباط» يمثل المحور المنظم لحياته بأكملها. فقدأدى إلى تفاقم نزعة سابقة لديه نحو الصرامةوالقلق، إلى درجة أن شريكته أصرت على أن يطلبالعلاج لكي تستمر علاقتهما.

كان يستيقظ قبل الفجر كل صباح ليتدرب قبلالذهاب إلى المدرسة، ويزن كل حصة من الطعام،ويتفحص نفسه في المرآة عشرات المرات يوميًا. وكانيصاب بالشلل من شدة الهلع إذا فوّت تمرينًا،ويشعر بذنب شديد إذا تناول شيئًا غير مدرج فيخطته الغذائية.

وكان يكمن تحت هذه الصرامة خوف لم يُفصح عنه. فإذا استرخى، ولو للحظة واحدة، فسوف يخونهجسده، ويصبح لينًا ويفقد تماسكه ويغدو عاديًا.

ولم يكن دانيال حالة منفردة بأي حال من الأحوال. فقد ترسخ خلال العقود القليلة الماضية اضطرابجديد بين الفتيان والشبان، هو اضطراب تشوّهالعضلات.

ويتميز هذا الاضطراب باعتقاد الشخص أن جسمهليس عضليًا أو نحيفًا بما يكفي، مهما بلغ حجمه أومدى وضوح عضلاته. وقد يبدو الأمر، من الخارج،مشكلة نابعة من انعدام الثقة بالجسد أو تدنياحترام الذات، لكن شيئًا أكثر عمقًا يحدث فيالواقع.

لا شك في أن الانضباط الصحي يمكن أن يمنحالإنسان الثبات والمعنى. فقد تذهب إلى الصالةالرياضية لأن تحريك جسدك يساعدك على الشعوربمزيد من الاندماج في الحياة، أو لأنك تقدر الهيئةالجسدية الناتجة عن التدريب.

وتأخذ أيامًا للراحة عندما تشعر بالتعب، ويكونشعورك بالفخر نابعًا في معظمه من الجهد الذيبذلته، وليس من النتيجة وحدها.

لكن عندما يصبح من غير الممكن تفويت التمرين مندون الشعور بذنب طاغ، وتصبح الوجبات محكومةبالخوف، فإن الروتين لا يعود في خدمة الإنسان. وعندئذ يتحول الانضباط من مصدر للقوة إلى وسيلةلمعاقبة الذات.

ومن الناحية السريرية، يندرج اضطراب تشوّهالعضلات تحت مظلة اضطرابات تشوّه صورةالجسد. وتكون عواقبه محسوسة وقاسية، مثل اتباعحميات غذائية عقابية وقضاء ساعات يوميًا فيالصالة الرياضية، غالبًا على حساب المناسباتوالأنشطة الاجتماعية.

وتشير دراسات حديثة إلى أن واحدًا من كل عشرةرجال يرتادون الصالات الرياضية قد تظهر عليهأعراض مهمة للاضطراب، فيما ترتفع الأعداد بينالمراهقين.

ويصيب اضطراب تشوّه العضلات الذكور أكثر منالإناث، رغم أن النسبة الدقيقة موضع خلاف، كماتصاب نساء كثيرات بهذا الاضطراب أيضًا. وتستحق تجاربهن الاهتمام، لكن الحديث عنها يجبأن ينتظر مقالًا آخر.

ولكن إذا لم يكن اضطراب تشوّه العضلات مجردمشكلة في صورة الجسد، فما حقيقته؟

يمكننا القول، بمصطلحات العلاج النفسي، إن قوةدانيال المتمثلة في عضلاته تؤدي العمل الذي تعجزكلماته عن أدائه. إنها تحمل ما لا يستطيع التفكيرفيه، وتحول القلق إلى حركة وكتلة عضلية. وما يبدوفي ظاهره حكاية عن الأجساد هو، في العمق،حكاية عن المشاعر.

هناك معادلة ثقافية تربط قيمة الإنسان بالسيطرةوالقدرة على التحكم في العواطف. ويتعلم كثير منالفتيان منذ سن مبكرة، بدرجات متفاوتة، أنسلامتهم تعتمد على قوتهم، وأن شعورهم بالانتماءيعتمد على عدم قابليتهم للانكسار.

«كن رجلًا»، و«لا تكن ضعيفًا». هذه اللغة مألوفةجدًا لدى كثير منا إلى درجة أننا بالكاد ننتبه إليها. وبحلول مرحلة المراهقة، يكون كثيرون قد تبنوا عقيدةبسيطة، وإن كانت لا واعية في معظم الأحيان،مفادها أن فقدان الإحساس أفضل من إظهارالضعف.

بالنسبة إلى معظم الرجال، يأتي الأمر الذي يطالبهمبأن يكونوا أقوياء بطريقة خفية. فقد يأتي من نظرةأو صمت، أو من دروس صغيرة كثيرة يجرياستيعابها خلال مراحل النمو.

وقد يكون مصدره أحيانًا أبًا لا يستطيع تحمل رؤيةدموع ابنه. وفي أحيان أخرى، قد يكون مدربًا يخلطبين الإهانة والتحفيز. وقد يكون مؤثرًا عبر الإنترنتيعرض بجسده المنحوت وصوته الواثق إمكانية تجاوزالإنسان لحاله الراهنة. وأيًا كانت الطريقة التي تصلبها الرسالة، فإن مضمونها واحد: لا تكن هشًا.

قد يعجبك ايضا