مهند محمود شوقي
هناك لحظات في الشرق الأوسط لا تحتاج إلى إعلان رسمي كي يشعر الناس بأن المنطقة تقترب من حافة جديدة.
يكفي أن تتراكم الإشارات.
واشنطن تقول إن الاتصالات مع طهران متوقفة، وطهران ترفض التفاوض تحت الضغط، فيما يصل رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد وسط تصاعد التوتر الأميركي ـ الإيراني. وفي الداخل العراقي، يقترب موعد 30 سبتمبر، الذي يرتبط بانتهاء مهمة التحالف الدولي وبالموعد الذي حددته الحكومة العراقية لإنهاء وجود السلاح خارج إطارها.
في هذه الصورة، لم يعد العراق مجرد بلد يتلقى ارتدادات الصراع الأميركي ـ الإيراني.
العراق أصبح أحد الاختبارات المباشرة لسؤال أكبر: من يملك قرار الحرب والسلم والسلاح؟
وهذا السؤال لا يتعلق فقط بمستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن أو بغداد وطهران، بل بمستقبل الدولة العراقية نفسها.
زيارة قاليباف مهمة لهذا السبب تحديداً. فهي تأتي في لحظة إقليمية لا تشبه الزيارات التقليدية بين دولتين متجاورتين. قاليباف وصل إلى بغداد فيما العلاقات الأميركية ـ الإيرانية تمر بمرحلة شديدة التوتر، وفي وقت تستعيد فيه طهران في خطابها السياسي أسماء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس باعتبارهما جزءاً من سردية المواجهة مع الولايات المتحدة ودورهما في الحرب على تنظيم داعش.
المشكلة ليست في استحضار التاريخ.
المشكلة في التوقيت.
إيران تنظر إلى العراق بوصفه جاراً استراتيجياً وساحة سياسية وأمنية واقتصادية شديدة الأهمية. لكن العراق، في المقابل، يحاول أن يثبت أن علاقته بإيران لا تعني تفويضها بقرار الأمن العراقي، كما أن شراكته مع الولايات المتحدة لا تعني تحويل أراضيه إلى منصة أميركية ضد طهران.
وهنا تبدأ معركة الدولة.
السلاح ليس القضية الوحيدة
النقاش العراقي حول سلاح الفصائل يُختزل أحياناً في سؤال: هل ستسلّم هذه الجماعة سلاحها أم لا؟
لكن القضية أعمق من ذلك.
السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الحكومة العراقية أن تكون صاحبة القرار النهائي في استخدام القوة؟
فالحشد الشعبي أُدمج قانونياً في المنظومة الأمنية العراقية، لكن المشهد المسلح في البلاد لا يزال يضم قوى تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً، وبعضها يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمحاور إقليمية.
ولهذا فإن الانتقال من تعدد مراكز القوة إلى مركز قرار واحد ليس قراراً إدارياً، بل عملية سياسية وأمنية شديدة الحساسية.
موعد 30 سبتمبر، لذلك، ليس تاريخاً تقنياً.
إنه اختبار.
اختبار لقدرة الحكومة على تنفيذ ما تعلنه، واختبار لقدرة القوى السياسية على التوصل إلى تسوية تمنع تحول الملف إلى مواجهة داخلية، واختبار لمعنى السيادة في عراق لا يزال يعيش بين نفوذ القوى الكبرى ومصالح القوى الإقليمية.
إذا نجحت بغداد في جعل السلاح خاضعاً لقرارها، فإنها تكون قد قطعت خطوة مهمة نحو بناء حكومة قادرة على حماية حدودها ومصالحها.
أما إذا بقي القرار موزعاً بين الحكومة والقوى المسلحة والارتباطات الإقليمية، فإن أي حرب جديدة بين واشنطن وطهران يمكن أن تعيد العراق سريعاً إلى موقع الساحة.
وهذا هو الخطر الأكبر.
كوردستان: أكثر من ألف ضربة
ولعل كوردستان هي المثال الأكثر وضوحاً على معنى أن يعيش العراق داخل صراع لا يريد أن يكون طرفاً فيه.
منذ اندلاع الحرب الأميركية ـ الإيرانية في 28 فبراير، تعرض إقليم كوردستان، بحسب بيانات وتصريحات وتقارير متقاطعة، لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، نُسبت إلى إيران أو إلى جماعات مسلحة عراقية موالية لها. وقد طالت الهجمات مناطق مدنية ومنشآت أمنية ومصالح أميركية ومنشآت للطاقة والبنية التحتية الحيوية.
هذا الرقم وحده يغير طريقة قراءة المشهد.
فكوردستان لم تدخل الحرب، بحسب موقف حكومتها المعلن، لكنها وجدت نفسها داخلها.
رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني قال إن كوردستان لا تريد أن تكون جزءاً من الحرب، فيما أشارت تقارير إلى أن الهجمات ألحقت أضراراً بقطاع الطاقة والخدمات والحياة اليومية، في وقت قالت فيه حكومة الإقليم إن نحو 70 في المئة من تجارتها تأثرت بالصراع الإقليمي.
لكن ما يحدث اليوم ليس جديداً بالكامل.
خلال السنوات الماضية، تحولت كوردستان أكثر من مرة إلى هدف في الحسابات الإيرانية والإقليمية.
في مارس 2022، أطلقت إيران 12 صاروخاً باليستياً على أربيل، وقال الحرس الثوري إنه استهدف ما وصفه بـ«مركز استراتيجي إسرائيلي». لكن الصواريخ أصابت منزل رجل الأعمال الكوردي البارز باز كريم البرزنجي، الرئيس التنفيذي لشركة KAR Group، وهي من الشركات الكبرى في قطاع الطاقة في الإقليم.
وفي يناير 2024، تكرر المشهد بصورة أكثر مأساوية.
استهدفت صواريخ إيرانية منزل رجل الأعمال الكوردي بشراو دزيي، صاحب أعمال بارزة في التطوير العقاري ومشاريع مثل Empire World في أربيل. قُتل دزيي وابنته الرضيعة، إلى جانب رجل أعمال آخر، وأصيب أفراد من عائلته. منظمة هيومن رايتس ووتش وثقت مقتل أربعة مدنيين في الهجوم وإصابة آخرين.
وهنا تبرز مسألة لا تحظى دائماً بالاهتمام الكافي.
الاستهداف لم يكن دائماً عسكرياً بالمعنى التقليدي والحجج جاهزة وإن تم نفيها
لقد وصل في بعض الحالات إلى الاقتصاد نفسه: رجال أعمال، مشاريع استثمارية، منشآت طاقة، فنادق ومرافق مدنية.
وهذا يعني أن كلفة الصراع لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تسقط أو الطائرات المسيّرة التي يتم اعتراضها، بل أيضاً بمدى قدرة المستثمر على الشعور بأن أمواله ومشاريعه ومستقبله الاقتصادي محمي داخل العراق.
ولهذا فإن استهداف كوردستان يطرح سؤالاً يتجاوز الأمن.
كيف يمكن للعراق أن يجذب الاستثمار ويبني اقتصاداً مستقراً، بينما تستطيع حرب إقليمية أن تصل إلى منزل رجل أعمال أو منشأة طاقة أو فندق أو مشروع استثماري؟
إنها مسألة سيادة بقدر ما هي مسألة اقتصاد.
ضربة أربيل الأخيرة
في 17 أغسطس، جاءت ضربة جديدة إلى قلب هذا المشهد.
استهدفت طائرتان مسيّرتان مكتب رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني ومقر إقامة مسؤول أمني في الإقليم. وقالت السلطات الأمنية في كوردستان إن الطائرتين انطلقتا من الأراضي الإيرانية. إيران نفت مسؤوليتها عن الهجوم، فيما تحدث وزير الخارجية عباس عراقجي عن احتمال وجود عملية «راية زائفة» تهدف إلى الإضرار بالعلاقات بين إيران والعراق وكوردستان.
ومن المهم هنا ألا يتحول الاتهام السياسي إلى حقيقة صحفية قبل اكتمال الأدلة.
لكن حتى مع بقاء المسؤولية موضع نزاع، فإن الواقعة نفسها تحمل دلالة سياسية كبيرة.
فالهجوم هذه المرة لم يقع على موقع عسكري بعيد عن مركز المدينة، بل استهدف مكتب رئيس حكومة الإقليم وموقعاً أمنياً حساساً.
وهذا يرفع مستوى الرسالة.
كوردستان تقول إنها لا تريد الحرب، لكن الحرب تصل إليها.
تقول إنها تريد أن تكون جزءاً من العراق المستقر، لكنها تتعرض لهجمات ترتبط بصراعات تتجاوز حدود العراق.
وتحاول بناء اقتصاد يعتمد على الاستثمار والطاقة والتجارة، فيما تتعرض منشآتها الحيوية ومصالحها الاقتصادية إلى مخاطر أمنية متكررة.
وهنا تصبح حماية كوردستان اختباراً لقدرة الحكومة العراقية على حماية أراضي العراق كله.
العراق لا يستطيع تحمل حروب الآخرين
المشكلة أن العراق يدخل هذه المرحلة في الوقت الذي يحاول فيه إعادة تعريف موقعه الإقليمي.
واشنطن تريد ألا يتحول العراق إلى منصة لاستهداف القوات والمصالح الأميركية.
طهران تريد ألا يتحول العراق إلى منصة تستخدمها الولايات المتحدة ضدها.
وبغداد تريد شيئاً ثالثاً: أن يكون العراق صاحب القرار في أراضيه.
هذه المصالح ليست متطابقة.
بل إن جوهر الأزمة العراقية يكمن في أن بغداد تحاول الانتقال من سياسة إدارة التوازنات إلى محاولة صناعة توازن خاص بها.
وهذا لن يكون سهلاً.
فالعراق لا يستطيع أن يكون حكومة واحدة في السياسة، وحكومتين في الأمن، وثلاثة مراكز قرار عندما يتعلق الأمر بالحرب والسلم.
وفي الوقت نفسه، فإن فرض حصرية السلاح بالقوة ومن دون توافق سياسي قد يفتح مواجهة داخلية لا تقل خطورة عن التهديد الخارجي.
لذلك فإن نجاح بغداد لن يقاس بعدد الأسلحة التي تُسلّم، بل بقدرتها على بناء قاعدة سياسية تجعل قرار السلاح جزءاً من قرار الحكومة، لا نتيجة صفقة مؤقتة بين مراكز النفوذ.
الحرب ليست حتمية.. لكن الخطأ قد يصنعها
المشهد الحالي شديد الخطورة، لكنه لا يعني أن حرباً شاملة أصبحت حتمية.
تصريحات ترامب، وتصاعد الخطاب الإيراني، واستمرار الأزمة الإقليمية، ووصول قاليباف إلى بغداد، والهجوم على مكتب رئيس حكومة كوردستان، وتصاعد ملف سلاح الفصائل العراقية، كلها مؤشرات على ارتفاع مستوى المخاطر.
لكن الخطر الأكبر قد لا يكون في قرار متعمد بإشعال حرب جديدة.
قد يكون في سلسلة من الأخطاء.
طائرة مسيّرة.
ضربة انتقامية.
هجوم على قاعدة.
رد محدود.
ثم رد أكبر.
وهكذا تبدأ الحروب أحياناً، لا لأن طرفاً واحداً قررها، وإنما لأن سلسلة من القرارات الصغيرة خرجت عن السيطرة.
العراق هو الأكثر عرضة لهذا النوع من السيناريوهات.
فجغرافيته تجعله قريباً من أطراف الصراع، وتاريخه السياسي يجعله يحمل آثار الصراع داخله، وتعدد القوى المسلحة يجعله أكثر هشاشة أمام أي تصعيد إقليمي.
ولهذا فإن معركة بغداد حول السلاح ليست ملفاً عراقياً داخلياً فقط.
إنها جزء من معركة أكبر على شكل الشرق الأوسط المقبل.
هل يبقى العراق ساحة تتنافس فيها واشنطن وطهران؟
أم يستطيع أن يتحول إلى حكومة تتعامل مع الطرفين من موقع المصلحة العراقية؟
هذا هو الاختبار.
وقد تكون كوردستان، بما تعرضت له من أكثر من ألف ضربة منذ بداية الحرب، وبما أصاب منشآتها الحيوية ومصالحها الاقتصادية ومستثمريها خلال السنوات الماضية، واحدة من أبرز ساحاته.
أما 30 سبتمبر، فلن يكون مجرد موعد لخروج قوات أو تسليم أسلحة.
سيكون لحظة لقياس قدرة الحكومة العراقية على الإجابة عن السؤال الذي ظل مؤجلاً لسنوات:
من يقرر في العراق عندما تبدأ الحرب؟
فإذا كانت الإجابة هي الحكومة، فإن العراق يكون قد خطا خطوة حقيقية نحو الدولة.
أما إذا كانت الإجابة موزعة بين الحكومة والسلاح والمحاور الإقليمية، فإن العراق سيبقى، مرة أخرى، المكان الذي يخوض فيه الآخرون حروبهم.