محمد علي محيي الدين
يُعدُّ الأستاذ الدكتور عبد الكريم راضي جعفر واحداً من أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل المشهد الشعري والنقدي العراقي خلال العقود الخمسة الأخيرة. فقد جمع بين موهبة الشاعر، ورؤية الناقد، وخبرة الأكاديمي، فكان حضوره مؤثراً في الحياة الثقافية العراقية والعربية، لا من خلال دواوينه الشعرية ودراساته النقدية فحسب، وإنما أيضاً عبر أجيال من الطلبة والباحثين الذين نهلوا من علمه في الجامعات العراقية والعربية. لذلك لم يكن اسمه مجرد إضافة إلى سجل الأدباء، بل أصبح علامة بارزة في تاريخ الأدب العراقي الحديث.

وُلِد عبد الكريم راضي جعفر العلي في مدينة البصرة سنة 1946، المدينة التي ارتبط اسمها بكبار المبدعين من أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي وبدر شاكر السياب، فكان انتماؤه إليها جزءاً من تكوينه الثقافي والجمالي. أكمل دراسته فيها، ثم التحق بقسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة البصرة، ونال شهادة البكالوريوس في العام الدراسي 1967-1968، قبل أن يبدأ حياته العملية مدرساً في التعليم الثانوي. ولم يلبث أن تدرج في مواقع تربوية وإدارية، فتولى إدارة عدد من المدارس، ثم أصبح معاوناً لعميد معهد الفنون الجميلة في البصرة، قبل أن يتولى عمادة المعهد بين عامي 1980 و1985، وهي تجربة أظهرت قدرته على الجمع بين الإدارة والثقافة والإبداع.
غير أن طموحه العلمي لم يتوقف عند حدود العمل التربوي، فواصل دراساته العليا، فنال درجة الماجستير في الأدب الحديث والنقد من جامعة البصرة بتقدير امتياز، ثم حصل على الدكتوراه في الأدب الحديث والنقد من كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1992، مع توصية بطباعة أطروحته على نفقة الجامعة، وهو تقدير يعكس قيمتها العلمية. وبعد انتقاله إلى الجامعة المستنصرية، تدرج في السلك الأكاديمي حتى نال مرتبة الأستاذية سنة 2001، وتولى رئاسة قسم اللغة العربية، كما لبّى دعوة جامعة جرش الأردنية للتدريس فيها عدة سنوات، مساهماً في نقل الخبرة الأكاديمية العراقية إلى فضاء عربي أوسع.
وقد كان نشاطه العلمي والثقافي واسعاً؛ إذ شارك في مهرجانات المربد الشعرية والنقدية، وفي مؤتمرات جامعية وعلمية داخل العراق وخارجه، وأسهم في مؤتمرات جامعة اليرموك وجامعة جرش، وفعاليات المجمع العلمي العراقي، فضلاً عن المؤتمرات التي أقامتها الجامعة المستنصرية والكلية الإسلامية في النجف الأشرف. كما كان عضواً في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، ورُشِّح للاستفادة من قانون رعاية العلماء، وهو تكريم يعكس مكانته الأكاديمية.
أما منجزه الإبداعي، فقد توزّع بين الشعر والنقد. ففي الشعر أصدر عدداً كبيراً من الدواوين التي واكبت تحولات التجربة العراقية، منها: «الدفء البارد»، و«عن الفارس والصيف الآخر»، و«سيدي أيها البحر»، و«ارتفاعات الشفق الجنوبي»، و«عشب الأفول»، و«زهرة البرتقال»، و«خطاب الأمير بدر بن شاكر»، و«أيها الناس… للندى معصرة»، فضلاً عن مشاركاته في دواوين شعرية مشتركة. وفي النقد قدّم مؤلفات أصبحت مراجع مهمة في دراسة الشعر العراقي الحديث، مثل «في حركة الشعر العراقي الحديث»، و«رماد الشعر»، و«نظرية الشعر عند نازك الملائكة»، و«مفهوم الشعر عند السياب»، و«الشمعة والمصباح»، إلى جانب تحقيقه لديوان عبد القادر رشيد الناصري ودراساته المتعددة في الشعر والنقد.
ولم يكن تأثيره مقتصراً على ما ألّفه، بل امتد إلى ما كُتب عنه؛ فقد خُصصت لدراسة شعره رسائل ماجستير في جامعتي ديالى وذي قار، كما تناولت أطروحات جامعية أخرى تجربته الشعرية، وهو دليل على رسوخ حضوره في الدراسات الأكاديمية. كذلك أشرف على عشرات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه، وأسهم في تكوين جيل من الباحثين والنقاد.
ويمتاز شعر عبد الكريم راضي جعفر بقدرته على الجمع بين الأصالة والتجديد. فهو يكتب القصيدة العمودية كما يكتب الشعر الحر وقصيدة النثر، دون أن يفقد صوته الشعري الخاص. وتقوم تجربته على استلهام التاريخ والرمز والأسطورة والواقع معاً، بحيث تتحول القصيدة إلى فضاء إنساني رحب يحمل هموم الإنسان العراقي والعربي. ولعل أبرز ما يميز شعره ارتباطه بالأرض والهوية، وانشغاله بقضايا الحرية والعدالة ورفض الظلم، لذلك كثيراً ما حضرت الشخصيات التاريخية والرموز الدينية في قصائده بوصفها إشارات إلى الحاضر لا مجرد استدعاء للماضي.
وقد لفتت هذه التجربة أنظار كبار النقاد. فأشاد فاروق شوشة بقدرته على الإفادة من التراث والانفتاح على التجربة الشعرية الحديثة، ورأى محسن الخياط أن قصائده تقدم رؤية ناضجة تنطلق من واقع الإنسان العربي، فيما أكد ستار عبد الله خصوصية لغته الشعرية وإيقاعها الداخلي، وعدّه يعرب السعيدي شاعراً يؤمن بالرمز والصورة الموحية ويبتعد عن المباشرة، بينما رأى مهدي شاكر العبيدي أن تجربته تقوم على استلهام التاريخ وتحويله إلى خطاب معاصر يضيء الحاضر ويمنحه بعداً إنسانياً.
أما في النقد الأدبي، فقد عُرف بمرونته المنهجية، فلم يتقيد بمدرسة نقدية واحدة، وإن أفاد في مرحلة من البنيوية، لكنه ظل يمزج بين المناهج المختلفة، مستفيداً من التراث النقدي العربي والاتجاهات الحديثة معاً، ليصل إلى قراءة متوازنة تكشف البنية الداخلية للنص، وإيقاعه، ودلالاته الفكرية والجمالية. ولهذا أصبحت دراساته مرجعاً للباحثين في الشعر العراقي الحديث.
وفي إحدى حواراته مع صحيفة الزمان سنة 2003، عبّر عن رؤيته للشعر حين رفض مقولة تراجعه، مؤكداً أن الشعر الحقيقي لا يموت ما دام هناك شعراء يكتبون بصدق ويجعلون من القصيدة تعبيراً عن الروح والوجدان، وهي رؤية تكشف إيمانه العميق بأن الشعر حاجة إنسانية تتجاوز تغير الوسائل والأزمنة.
وعند قراءة تجربة عبد الكريم راضي جعفر، يتضح أنه شاعر ينتمي إلى العراق بكل تفاصيله، يستلهم تاريخه، ويستحضر رموزه، ويعبّر عن آلام الناس وآمالهم بلغة تجمع بين الرهافة والقوة. وهو في الوقت نفسه أكاديمي متمكن، وناقد يمتلك أدواته، ومربٍّ ترك أثراً واضحاً في تلامذته ومحبيه، لذلك استحق أن يُعد واحداً من أعلام الثقافة العراقية المعاصرة.
وقد اعتمدت هذه الصورة على ما أورده إبراهيم خليل العلاف في مقاله المنشور في الحوار المتمدن سنة 2017، إلى جانب المعلومات الواردة في معجم أعلام العراق في القرن العشرين، ومعجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين، فضلاً عن آراء النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته الشعرية والنقدية، وهي جميعاً تؤكد أن عبد الكريم راضي جعفر يمثل مدرسة متكاملة في الشعر والأدب والنقد، وأن منجزه سيبقى جزءاً أصيلاً من الذاكرة الثقافية العراقية والعربية.