فريدريك.. فلسفة الاختلاف بين البقاء والخيال

شينوار ابراهيم

دراسة عن قصة (فريدريك) لليو ليوني بين أدب الأطفال والفن ومعنى الحياة

ليس أصعب ما في الشتاء أن ينفد الطعام. ربما يكون الأصعب أن يبقى كل شيء موجوداً بينما يفقد الإنسان ما يجعل للحياة معنى. في بضع صفحات يضع ليو ليوني هذه المفارقة أمامنا من خلال فأر صغير يبدو للوهلة الأولى وكأنه لا يفعل شيئاً. لكن خلف هذا (اللاشيء) تختبئ رؤية مختلفة للحياة. رؤية تجعل من الخيال. الكلمة والذاكرة حاجة لا تقل أهمية عن الطعام حين يصبح العالم بارداً. ومن هنا تبدأ حكاية (فريدريك) لا بوصفها قصة عن الفئران والشتاء فقط، بل بوصفها سؤالاً مفتوحاً عن الإنسان وعن الأشياء التي يحتاج إليها كي يبقى حياً دون أن يفقد نفسه.

ولد ليو ليوني عام 1910 في أمستردام في عائلة يهودية إيطالية نشأ بين هولندا وإيطاليا قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة عام 1939. عمل في مجالات الفن التصميم والإعلان وحقق حضوراً مهماً في مسيرته الأدبية والفنية قبل أن يتجه بصورة أكثر وضوحاً إلى أدب الأطفال. تميزت أعماله بقدرته على الجمع بين الصورة والكلمة بحيث لا تكون الرسوم مجرد مرافقة للنص، بل جزءاً من المعنى نفسه. ومن أشهر أعماله (فريدريك)، التي صدرت عام 1967 وأصبحت واحدة من أكثر قصصه شهرة وتأثيراً.

تعد قصة (فريدريك) للكاتب والرسام ليو ليوني واحدة من الأعمال اللافتة في أدب الأطفال. فهي تبدو في ظاهرها حكاية بسيطة عن مجموعة من الفئران تستعد لاستقبال فصل الشتاء القاسي. في عمق هذه القصة في مجال أدب الأطفال، تحمل أسئلة تتجاوز حدود الحكاية إلى معنى الفن ودور الفرد داخل المجتمع وقيمة الخيال والكلمة في مواجهة قسوة الحياة. بين برد الشتاء القارس ونقص مستلزمات العيش اليومية كالطعام، يضعنا الكاتب والأديب ليوني أمام حقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد

أن الإنسان لا يعيش بالطعام وحده، بل يحتاج أيضاً إلى ما يمنح حياته معنى وإلى الخيال الكلمة والجمال التي تساعده على مواجهة قسوة الواقع. ومن هنا لا يعود (فريدريك) فأراً مختلفاً عن الآخرين فحسب، بل يصبح صوتاً آخر بينهم. يحمل شيئاً لا يمكن قياسه بالمخزون أو الطعام. لكنه يصبح ضرورياً عندما يطول الشتاء ويثقل الصمت.

تبدأ القصة وسط عالم تستعد فيه الفئران للشتاء. الجميع يعمل يجمع الحبوب المكسرات ويخزن الطعام استعداداً للأيام الباردة. إنه عمل ضروري للبقاء ويبدو الجميع متفقاً على معنى واحد للعمل الجهد الجسدي الذي يمكن قياسه بما يجمع ويخزن. لكن فريدريك يبدو مختلفاً كان يجلس بعيداً عن حركة المكان وكأنه خارج ذلك الإيقاع الذي انشغلت به الفئران استعداداً للشتاء.

حين تسأله إحدى الفئران عن سبب عدم مشاركته في جمع الطعام يجيب بهدوء بأنه يعمل أيضاً يجمع أشعة الشمس الألوان والكلمات. أشياء تبدو في تلك اللحظة غريبة عن حسابات الفئران ولا يدرك أحد تماماً ما الذي يعنيه (فريدريك) بهذا الجمع الغامض.

هنا يبدأ المعنى الحقيقي للقصة في الظهور فريدريك لا يرفض العمل لأنه يكرهه ولا يقف خارج الآخرين بحثاً عن اختلاف يميّزه، بل لأنه يرى العالم بعين أخرى. ففي الوقت الذي تنشغل فيه الفئران بما يمكن جمعه وحفظه داخل المخازن، كان هو يلتقط ما لا تمتد إليه اليد ما لا يوزن ولا يعد ولا يخزن. كان يجمع دفء الشمس حين يغيب الضوء والألوان حين يكتسي العالم بالبياض والكلمات حين يصمت الواقع ولا يعود قادراً على منح الكائنات ما تحتاج إليه من الأمل.

ثم يأتي الشتاء تنخفض الحرارة ينفد الطعام ويصبح المخبأ أكثر ظلمة وبرودة. ما جمعته الفئران طوال الصيف يبدأ بالتناقص، بينما يتسع الإحساس بالحرمان. هنا في اللحظة التي يبدو فيها كل شيء محكوماً بالجوع والبرد تظهر قيمة ما كان (فريدريك) يجمعه.

يبدأ (فريدريك) في استعادة الصيف من خلال كلماته وصوره. يتحدث عن أشعة الشمس عن الألوان عن الحقول والزهور فتبدأ الفئران في الإصغاء إليه. شيئاً فشيئاً يتغير المكان ليس لأن الشتاء انتهى ولا لأن الطعام عاد، بل لأن شيئاً آخر دخل إلى المخبأ: الخيال.

وهنا تكمن عبقرية ليوني فهو لا يقول إن الفن يغني عن الطعام ولا يجعل الإبداع بديلاً عن العمل الضروري للحياة. فالطعام يبقى ضرورة للجسد لكن الإنسان يحتاج أيضاً إلى ما يحمي عالمه الداخلي من الانهيار. وحين يصبح العالم قاسياً لا يكفي أن نحافظ على الجسد حياً نحتاج أيضاً إلى أن نحافظ على المعنى الذي يجعل لهذه الحياة ما يستحق أن يُعاش من أجله.

من هنا تصبح شخصية (فريدريك) رمزاً للمبدع للشاعر للفنان لكل إنسان يرى العالم من زاوية مختلفة عن الآخرين. قد يبدو المختلف في البداية أقل فائدة لأن المجتمع غالباً ما يقيس القيمة بما يمكن رؤيته لمسه واحتسابه. لكن هناك أشياء لا تكشف عن قيمتها في الأيام العادية بل تظهر حقيقتها عندما تصبح الحياة أكثر قسوة عندما تضيق مساحة الواقع ولا يبقى للإنسان سوى ما يحمله في داخله.

من هنا تتحول القصة من حكاية للأطفال إلى تأمل فلسفي في معنى الاختلاف. فالمجموعة تحتاج إلى من يزرع يجمع ويخزن لكنها تحتاج أيضاً إلى من يتخيل يحلم ويمنح الأشياء معنى. العمل المادي يحافظ على الجسد والفن يحافظ على شيء أعمق في الإنسان. وبين الاثنين تتشكل الحياة في توازن لا يستطيع أحدهما إلغاء الآخر.

حتى الشتاء في القصة لا يبقى مجرد فصل من فصول السنة. إنه يتحول إلى رمز لكل ما يمكن أن يواجهه الإنسان في حياته: الخوف الوحدة الجوع الحروب الأزمات والانكسارات التي تجعل العالم أكثر برودة وأقل رحمة. أما الصيف الذي جمعه (فريدريك) في ذاكرته، فيصبح رمزاً للذاكرة الجميلة للخيال للأمل ولكل ما يستطيع الإنسان أن يستعيده من داخله عندما يفقد العالم من حوله دفأه.

ومن الناحية الأدبية تكمن قوة ليوني في الاقتصاد والبساطة. فهو لا يثقل الحكاية بالتفسيرات ولا يحولها إلى درس أخلاقي مباشر. يترك الشخصيات تتحرك والحوار يتقدم ببساطة، ثم يترك للقارئ أن يكتشف المعنى بنفسه. وهذا تحديداً ما يمنح (فريدريك) قدرتها على مخاطبة الطفل والكبير في الوقت نفسه.

فالطفل قد يرى فيها قصة فأر صغير مختلف عن الآخرين بينما يرى القارئ الأكبر قصة عن المجتمع عن قيمة الاختلاف وعن الإنسان الذي يحتاج إلى الفن كي لا يتحول البقاء إلى مجرد استمرار بيولوجي. وربما يكون أجمل ما في (فريدريك) أنها لا تجعل الاختلاف انتصاراً على المجموعة ولا تجعل المجموعة عدواً للفرد.

الجميع يحتاج إلى الآخر. الفئران تحتاج إلى الطعام الذي جمعته الأيدي وتحتاج أيضاً إلى الكلمات التي جمعها فريدريك. وهكذا يصبح الاختلاف بدلاً من أن يكون سبباً للعزلة جزءاً من قوة الكل.

في النهاية لا ينتصر (فريدريك) على الفئران ولا تنتصر الفئران عليه بل يكتشف الجميع أن لكل واحد منهم مكانه ودوره داخل المجتمع الذي يعيش فيه وأن الاختلاف لا يعني بالضرورة الانفصال، بل قد يكون جزءاً من تماسك الحياة نفسها.

هنا تتحول الحكاية إلى فلسفة صغيرة للحياة ليس كل عمل يقاس بما تنتجه اليد وليس كل ما نحتاج إليه يمكن تخزينه في مستودع. هناك أشياء لا ترى لكنها تمنح الحياة قدرتها على الاستمرار كلمة صورة ذكرى لحن حلم أو فكرة تجعل الإنسان قادراً على عبور أيامه وتحديات البقاء دون أن يفقد نفسه.

(فريدريك) ليست مجرد قصة عن الشتاء والجوع إنها قصة عن الإنسان حين يبحث عن الدفء في داخله عندما يصبح العالم من حوله بارداً. لهذا تبقى الحكاية حية بعد عقود من صدورها لأنها تذكّرنا بأن الجسد يحتاج إلى الطعام كي يعيش، لكن الروح تحتاج إلى الجمال الكلمة والخيال كي تعرف لماذا تعيش.

كلمة أخيرة

قرأت لليو ليوني الكثير من الأعمال وقرأت أدب الأطفال بلغات عدة أكثر من خمس لغات. ومع ذلك بقيت قصة (فريدريك) مختلفة بالنسبة لي. قرأتها أكثر من مرة وفي كل مرة كنت أكتشف فيها شيئاً جديداً رغم أنها في ظاهرها قصة بسيطة موجهة إلى الأطفال.

ربما هذا هو النوع من أدب الأطفال الذي لا ينتهي بانتهاء الطفولة بل يبقى يرافق الإنسان زمناً طويلاً لأنه يحمل في داخله معنى يتجاوز الحكاية نفسها. معنى العمل المشترك وأن لكل إنسان قدراته ومكانه ودوره وأنه لا يمكن لشيء واحد أن يكون كاملاً بذاته.

نحن نحتاج إلى بعضنا ليس لأننا متشابهون، بل لأن اختلاف قدراتنا هو ما يجعل الحياة أكثر اكتمالاً. فكما تحتاج الفئران إلى ما جمعته الأيدي، تحتاج أيضاً إلى ما جمعه (فريدريك) في خياله وذاكرته. ومن هذا الاختلاف تتشكل القدرة على مواجهة الحياة وعلى بناء حياة أكثر دفئاً وإنسانية.

ولهذا أعتقد أن (فريدريك) ستبقى من تلك القصص التي ترافق الإنسان طويلاً ففي كل مرة نعود إليها قد نجد فيها شيئاً لم نره من قبل.

قد يعجبك ايضا