العراق القسم الثاني

اعداد: عدنان رحمن

      ورد في البحث المعنون ( مذكرات فؤاد عارف). تقديم وتعليق: د. كمال مظهر احمد، (1) مطبعة آراس، دار آراس للطباعة والنشر- اربيل عاصمة اقليم كوردستان، ط 2، 2011، من صفحة 100 حتى 109. ان الكورد في العراق تعرضوا لعملية أنفال منذ اكثر من مئة عام، اي ان الانظمة المتعاقبة التي تسلمت السلطة في العراق لديها نفس العقلية والنَفَس تجاه الكورد وهو محاولة القضاء عليهم بشتى الوسائل والطُرق حتى لو كانت غير انسانية، وادناه ما يوضّح ما تحدثنا عنه كما ورد من المصدر:

– ” وصلنا جبل بيران وكنا نعتمد الحيوانات في نقلياتنا، وضاعت اربعة بغال لنا محملة بالبطانيات خاصة بـ ( عمر علي)، وطبيعي ان وراء هذا الضياع مسؤولية كبيرة… رجاني ان ابقى هناك، ليأخذ هو حظيرة معه للبحث عن البغال الضائعة، فذهب عمر علي ولكنه تأخر كثيراًواستبطأت عودته، فناديت أقدم عريف واخبرته اني قلق على عمر علي فأوكلته مسؤولية الفصيل؛ لأني قررت الذهاب للبحث عن عمر علي وجماعته، الحقيقة اني كنت ضابطاً مغروراً فذهبت بمفردي، وسلكت طريقاً وعرة، وليس معي سوى مسدس، حتى عثرت على عمر علي، وبعدها وجدنا البغال من بعيد، فكلفني ان اذهب الى بيران ريثما يعود هو بالبغال، حقاً خجلت ان اطلب منه اعطائي اثنين من الجنود المسلحين؛ اذ كان في معيته اربعة جنود مسلحين. وقد بدأت للتو اشعر ان الطريق غير آمنة، فأحسست ان المقاتلين يرمونني بالحجارة ويستهدفونني، غير اني رددت عليهم بإطلاق النار من مسدسي، وقابلوني باطلاق النار، وكان بإمكانهم قتلي لو ارادوا، وأنا وحدي. وعندما لحقت بالفصيل تحركنا نحو بيران، وبعد وصولنا سألني عمر علي عن صوت الاطلاقات التي سمعها، فحدثته عما جرى في طريق العودة. اوفد عمر علي الى الهند في دورة خاصة، فحل الملازم الاول كريم فيصل محله في خيره زوك، وبقيت انا آمراً لربية بيران. ومما اذكر ان منطقة عسكرية تركية كانت تقابلنا على الحدود العراقية التركية، وكان آمر الجندرمة اسمه مظفر بك، فقد ارسل لنا مظفر بك هذا رسالة تعبير عن رغبتهم في زيارتهم لنا ففرحنا به، وكان وضعنا جيداً بالنسبة للأغذية، ولدينا الكثير من الغذاء الجاف. ولقد كنت ضابطاً يحب الاناقة والاهتمام بملابسه، فطلبت من افراد الفصيل ارتداء احسن ما لديهم من الملابس وملابس التفتيش، وكذلك طلبت من ( جورج زيا عكَام) متعهد حانوت الفوج ان يجلب المشروبات والمعلبات واعطيته النقود من حسابي الخاص. واذكر انه كان لدي حاكٍ واسطوانات كثيرة. وعندما وصل مظفر بك مع جنوده استقبلناهم بحفاوة بالغة. وفي المساء اعاد جنوده الى حيث اتوا وابقى معه اربعة منهم فقط. وسهرنا سوية ليلة عندنا في المعسكر، وتحدثنا احاديث عامة، وهو يستفسر عن الاسعار مثل الحاكي الذي اعجب به وبدا له دليلاً على الغنى والثراء. ثم لم يلبث ان اخذ يتحدث عن وضعهم المزري، والحقيقة انهم لم يكونوا في وضع جيد، ملابسهم مهلهلة، هندامهم غير منظم. وقد ظهر ان مظفر بك كان من زملاء الفريق صالح الجبوري اذ جمعتهما الدراسة العسكرية العثمانية، وعندما اعدت زيارتهم في معسكرهم بعد فترة اطلعت على بساطة وضعهم… لكنه قدّم لنا الغذاء من زبدة وعسل فقط، والزبدة والعسل من الاهالي طبعاً، اي من القرويين الكورد القاطنين قرب المعسكر. ومن الطريف ان اتذكر لمناسبة الحديث عن خليل خوشه وي، موقفاً مضحكاً بالرغم مما كان ينطوي عليه من خطر، فقد تسلمنا خبراً في بيران ان جماعة خليل خوشه وي اخذوا يتجمعون في منطقة ما، فأستصحبنا حظيرة من الجنود فجراً وتحركنا في اتجاه قمة بيران. وما ان توغلنا قليلاً حتى انهالت علينا الحجارة وحسبنا ان جماعة خليل خوشه وي هم الذين يقذفون علينا الحجارة الضخمة ويدحرجونها بحكم موقعهم في الاعلى، ولكن لم نلبث ان اكتشفنا ان الدببة هي التي كانت تدحرج الحجارة وترمينا بها. فسددنا اليها البنادق، اذكر ان احد الدببة اتجه نحوي مهاجماً، فلو لم يسارع احدهم بإطلاق الرصاص عليه من الوراء لما نجوت منه، وبعد صرع الدب اخذناه الى المعسكر وسلخناه، ثم ملأنا جلده ملحاً وتبنأ اي حنطناه ووضعناه في بوابة المعسكر، وكانت الكلاب تخشاه. ولما زارنا محمد امين زكي باشا اعجب به فأرسلته اليه هدية. ومما يتصل بهذه الفترة الزمنية من حياتي اني لم اكن يوماً ما سياسياً ولم اكن انتمي الى حزب ما، إلا أن حزباً تأسس في الثلاثينيات من القرن العشرين، وهو حزب هيوا، فلقد انتميت اليه فترة من الزمن. (2) وكان اول وآخر انتماء حزبي لي في حياتي. شهدت الفترة السابقة للحرب العالمية الثانية وابان الحرب ايضاً نشاطاً سياسياً كوردياً في تركيا والعراق وايران. واتخذت بعض هذه الانشطة لنفسها طابعاً مسلحاً علاوة على ظهور تكتلات سياسية كوردية ذات طابع قومي تسعى الى ضمان حقوق الشعب الكوردي. ومن هذه الكتل السياسية التي بدت كتنظيمات سياسية ( كومه لى برايه تى او جمعية التآخي 1938). وكان هذا التنظيم برئاسة الشيخ لطيف، نجل الشيخ محمود البرزنجي. لقد اوضح رجال الكتلة او الحزب اهدافهم القومية الكوردية الصريحة. (3) وفي 1939 ظهرت نشاطات صحفية ثقافية كوردية كان طابعها الغالب قومياً، فالتف حول مجلة ( گه‌لاوێژ) (4) العديد من المثقفين الكورد تحدوهم روح قومية تقدمية متحمسة. هذه الظروف مجتمعة، اي ظروف 1938 ونشاط الصحافة الكوردية في اعتقادي ادت دوراً في دفع عدد من الضباط الكورد والمثقفين الى تأسيس حزب كوردي سري باسم هيوا اي (الامل) والحقيقة كانت بداية هذا الحزب بداية ضعيفة، بيد أنه كان جريئاً في طروحاته القومية والتقدمية مما جعله يتطور بشكل سريع واصبحت له قاعدة واسعة في كوردستان وانتمى إليه عدد كبير من العسكريين ضباطاً وضباط صف وكذلك الكثير من ذوي المهن المختلفة من أطباء ومهندسين ومدرسين ومن ذوي الحرف المختلفة ورؤساء العشائر واتسعت رقعة نشاطه لتتجاوز الساحة العراقية الى ايران وتركيا وسورية، وبدأ يقيم الإتصالات مع الكتل السياسية الكوردية هناك بغية تنسيق العمل السياسي، وقد اصبح المرحوم رفيق حلمي رئيساً لهذا الحزب، فاتسم نضاله بالاضافة الى الدفاع عن الشعب الكوردي والاهداف القومية له في كوردستان بمجابهة النزعات الشوفينية اي النازية. ويبدو لي ان التطور الذي اصاب الحزب ونشاطه لم يرق الاستعمار الذي كان مهيمناً في تلك الفترة على مقاليد الأمور في العراق. فبدأ يعمل على خلق صراع بين اليساريين واليمينيين من أعضاء هذا الحزب حتى ان الخلاف بينهم وبين قادته اصبح واضحاً لا يقبل الكتمان والتغطية، وبذلك بدت الانهيارات من الداخل التي انعكست في الكونفرانس الذي انعقد في كركوك شباط 1944. على أية حال لا أود الإطالة في هذا الموضوع، ولكني اردت فقط إعطاء فكرة عما اتذكره عن الأوضاع التي سبقت وواكبت قيام الحزب الذي انتميت اليه في حينه. الحقيقة اني دخلت الحزب أي حزب هيوا عن طريق المرحوم الضابط الشهيد، عزت عبد العزيز، وكان قد انتمى الى الحزب آنذاك مجموعة من الزملاء الضباط الكورد، مير حاج ومصطفى خوشناو ورشيد جودت. ومن المدنيين كاكه حسين خانقاه وشقيقه كاكه حمه خانقاه وآخرون“.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- د. كمال مظهر أحمد ولد 1937 توفى 2021 مؤرخ ومفكر عراقي كوردي ولد في قرية أخجلر وهي في ناحية تابعة للواء كركوك أنهى الثانوية سنة 1955 ودخل دار المعلمين العالية  ( كلية التربية فيما بعد) ببغداد وتخرج 1959. حصل على البكالوريوس في التاريخ 1959. سافر إلى الاتحاد السوفيتي السابق لإكمال دراسته العليا وحصل على الدكتوراه سنة 1963 من معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية، حصل على الدكتوراه من المعهد ذاته 1969. عاد إلى العراق وعمل مدرسا في قسم التاريخ بكلية الآداب ورقي إلى مرتبة الأستاذية سنة 1981. أعيرت خدماته إلى المجمع العلمي الكردي وشغل منصب الأمين العام ومساعد رئيس المجمع للشؤون العلمية بين سنتي 1971 و1975. أشرف على العديد من رسائل وأطروحات الدراسات العليا في جامعات عديدة.

2- هيوا- الامل- أسّس في حدود العالم 1938، عقد مؤتمره التأسيسي في كركوك، ثم امتدت فروعه الى بغداد واربيل والسليمانية وغيرها، ضم في صفوفه حوالي ألف وخمس مئة عضو، من ابرز زعمائه رفيق حلمي والشاعر يونس رؤوف ( دلدار) والدكتور مكرم الطالباني وصالح الحيدري، كما ضم عدداً من الضباط الكورد ادى دوراً ملموساً في حياة الكورد السياسية.                              

3- ظهرت ( كومه لى برايه تى- جمعية الأخوة او التآخي) في السليمانية قبيل الحرب العالمية الثانية. كانت لها ثلاثة فروع توزعت على بغداد وكركوك وكويسنجق، ادت دوراً متواضعاً في حياة الكورد السياسية.

4- گه لاويژ- نجمة الشعرى. أفضل مجلة صدرت حتى الآن في تاريخ الصحافة الكوردية. صدر عددها الاول في كانون الاول 1939، وعددها الاخير في آب 1949، كانت تطبع في بغداد، صاحبها ومديرها المسؤول ابراهيم احمد، ورئيس تحريرها علاء الدين سجادي.  

قد يعجبك ايضا