كركوك واتحاد بلديات العالم التركي: بين حق الرقابة وضرورة الانفتاح

ياسين الحديدي
كركوك

من حق أي عضو في مجلس محافظة كركوك، كما من حق الحكومة الاتحادية والرأي العام، أن يستفسر عن طبيعة الاتفاقات ومذكرات التفاهم التي يبرمها المحافظ، وأن يطلع على التزاماتها المالية والقانونية ونتائجها المتوقعة. فالمساءلة والشفافية ليستا ترفًا، بل هما من صميم العمل العام وأساس الإدارة الرشيدة.

لكن الفارق كبير بين الرقابة المسؤولة التي تستند إلى القانون والوثائق، وبين تحويل زيارة أو اتفاق ذي طابع إداري وتنموي إلى قضية تتحدث عن «احتلال عثماني» أو «استيلاء تركي» على كركوك.

الحقيقة الواضحة هي أن كركوك انضمت في 31 تموز 2026 إلى اتحاد بلديات العالم التركي، وذلك خلال اجتماع عُقد في مدينة كارامان التركية. وهذا الاتحاد هو إطار للتعاون بين البلديات والإدارات المحلية، وليس حلفًا سياسيًا أو منظمة أمنية، ولا يملك بطبيعته أي صلاحية لتغيير حدود الدول أو المساس بسيادتها.

ويضم الاتحاد نحو 1,200 بلدية من قرابة 30 دولة، بينها بلديات من فلسطين ولبنان والبوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفو وصربيا والصومال ومنغوليا والعراق، أي إن أعضاءه ليسوا جميعًا من دول تركية أو ناطقة باللغة التركية. وتتركز أهدافه المعلنة على تطوير الإدارة الحضرية، والبنى التحتية، والتدريب، والتكنولوجيا، والخدمات، وحماية البيئة والتراث، إلى جانب تشجيع التعاون وجذب التمويل للمشروعات البلدية.

ومن المفيد، في هذا السياق، تذكير أصحاب نظرية «الاستيلاء» بأن التعاون بين بلديات كركوك وهذا الاتحاد ليس وليد اليوم؛ فقد كانت بلدية تسعين الجديدة في كركوك من الأعضاء العراقيين، وسبق للاتحاد أن ناقش معها مشروعات مشتركة منذ عام 2018، كما شارك رئيس البلدية في اجتماعات الاتحاد عام 2019.

وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا لم تكن تلك العضوية آنذاك احتلالًا أو ضمًا أو تهديدًا لسيادة العراق، بينما أصبحت اليوم، وبمجرد أن أصبح محافظ كركوك تركمانيًا، مصدرًا للحديث عن تهديد السيادة والاستيلاء على المحافظة؟

أما من الناحية الدستورية والقانونية، فإن المادة (122) من الدستور العراقي تمنح المحافظات غير المنتظمة في إقليم صلاحيات إدارية ومالية واسعة، وتضع المحافظ في موقع الرئيس التنفيذي الأعلى في المحافظة. وفي الوقت نفسه، تظل المحافظة ملتزمة بالسياسة العامة للدولة، ويخضع المحافظ لرقابة مجلس المحافظة وللأطر القانونية والمؤسسات الاتحادية ذات الصلة.

وعليه، فإن مطالبة أعضاء مجلس المحافظة بالاطلاع على مذكرات التفاهم والاتفاقات، ومعرفة تفاصيلها والتزاماتها، أمر قانوني وطبيعي، بل هو جزء من مسؤوليتهم الرقابية. لكن توجيه اتهامات بالخيانة أو التفريط بالسيادة قبل الاطلاع على الوثائق وتحديد المخالفة القانونية، إن وجدت، لا يمثل رقابة مسؤولة، وإنما يشكل حكمًا سياسيًا مسبقًا.

واللافت أن بعض المسؤولين في مجلس محافظة كركوك اتخذوا موقفًا أكثر توازنًا؛ فقد أعلن نائب رئيس المجلس ترحيبه بأي مشروع أو استثمار من شأنه خدمة كركوك، مطالبًا في الوقت نفسه بعرض التفاصيل على المجلس. كما أكد رئيس لجنة المالية والاقتصاد أن العبرة لا تكمن في مجرد التوقيع على الاتفاقات، وإنما في تحويلها إلى مشروعات حقيقية ومتابعة تنفيذها.

وهذا هو الاعتراض المسؤول الذي يستحق الاحترام: أن يكون السؤال عن الصلاحيات، والكلفة، والنتائج، وآليات التنفيذ، لا أن يتحول النقاش إلى تخويف الناس من «عودة الإمبراطورية العثمانية».

وفي المقابل، لا يصح تعميم مواقف بعض القيادات أو الصفحات الحزبية على الإخوة الكرد؛ فهم أبناء أصيلون في كركوك وشركاء في حاضرها ومستقبلها، كما أن العرب والتركمان والكلدان والآشوريين وسائر مكونات المحافظة شركاء متساوون في المواطنة والحقوق والواجبات.

لكن من المشروع، في الوقت نفسه، القول إن جانبًا من التصعيد يبدو أقرب إلى صراع على النفوذ والمواقع السياسية منه إلى حرص مجرد على القانون، ولا سيما عندما تُستبدل لغة الدستور والمشروعات والنتائج بلغة «الضم» و«الاحتلال» و«التخوين». وهذه قراءة سياسية لمواقف محددة، وليست اتهامًا لمكوّن عراقي كريم بأكمله.

لقد تسلّم السيد محمد سمعان آغا محافظة تحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين إدارتها وأهلها، وإلى معالجة ملفات الخدمات والطرق والنظافة والتخطيط الحضري والاستثمار وفرص العمل. ويُحسب له أنه لم يكتفِ بالشعارات، بل اتجه إلى فتح قنوات للتعاون مع بلديات ومؤسسات تمتلك خبرات وتجارب عملية، ساعيًا إلى الاستفادة منها في خدمة كركوك وتطوير واقعها.

وقد أكد خلال مؤتمر الاتحاد أن كركوك تمثل نموذجًا للتعايش، وأن هدف الإدارة هو النهوض بواقعها الخدمي وخدمة جميع أبنائها دون تمييز.

إن الانفتاح على البلديات التركية لا ينبغي أن يكون على حساب الانفتاح على البلديات العربية أو الأوروبية أو الآسيوية؛ بل على العكس، ينبغي أن تكون أبواب كركوك مفتوحة أمام كل جهة تحترم سيادة العراق، وتقدم خبرة أو استثمارًا أو مشروعًا يمكن أن يسهم في تحسين حياة المواطنين.

فالمحافظ الناجح لا يُقاس بعدد الدول والجهات التي يبتعد عنها، بل بعدد المشروعات التي يستطيع جذبها، وفرص العمل التي يوفرها، والخدمات التي ينجزها، والاستثمارات التي يستقطبها، مع الالتزام الكامل بالقانون والشفافية والمصلحة العامة.

وكركوك، قبل كل شيء، مدينة عراقية، سيادتها وانتماؤها للعراق أمران لا جدال فيهما، وهي في الوقت ذاته مدينة متعددة المكونات، للتركمان في مركزها وذاكرتها وثقافتها عمق تاريخي أصيل لا يستطيع أحد محوه أو إنكاره.

ويشير تعداد عام 1957، الذي يُعد آخر تعداد سكاني موثوق نسبيًا قبل سياسات التغيير الديمغرافي اللاحقة، إلى أن التركمان كانوا أكبر جماعة سكانية في مدينة كركوك، في حين كان الكرد أكبر جماعة في المحافظة ككل. والاعتراف بهذه الحقيقة التاريخية لا ينتقص من حقوق الكرد أو العرب أو المسيحيين وسائر المكونات، بل يؤكد أن هوية كركوك لا يمكن أن تُبنى على إلغاء أحد، وإنما على احترام جذورها التاريخية وتنوعها السكاني والثقافي.

نحن لا نريد محافظًا فوق النقد والمساءلة، لكننا نرفض في الوقت نفسه أن تتم محاصرة المحافظ بسبب هويته التركمانية، أو أن يُتهم كلما تحرك باتجاه تركيا أو فتح قناة للتعاون معها.

ما نريده هو أن ينشر المحافظ تفاصيل مذكرات التفاهم، وأن يوضح الكلفة والالتزامات والجداول الزمنية والمنافع المتوقعة، وأن يحيل أي مشروع يحتاج إلى موافقات رسمية إلى مؤسسات الدولة المختصة. بهذه الشفافية يمكن قطع الطريق على الشائعات، وتحويل النقاش من سجال قومي وسياسي إلى نقاش حول الإنجاز والنتائج.

إن دعم السيد محمد سمعان آغا لا يعني اتخاذ موقف ضد الكرد أو العرب أو أي مكوّن آخر، بل هو دعم لحق كركوك في إدارة تتحرك وتبحث عن فرص البناء والاستثمار والتنمية.

ومن يعارض المحافظ، فليعارضه بالأرقام والقانون والوثائق، وليقدم البدائل الأفضل، لا بنظريات الاحتلال والتخويف القومي.

كركوك لن تكون ملكًا لحزب أو قومية، ولن تكون حكرًا على أي مكوّن، لكنها في الوقت نفسه لن تتنكر لجذورها التركمانية الأصيلة. إنها مدينة عراقية لجميع أبنائها، وتنوعها مصدر قوة لا سبب للصراع.

والمحافظ الذي يعمل بإخلاص لخدمة جميع مكونات كركوك يستحق الدعم والنصح والرقابة العادلة، كما يستحق أن يُحاسب على أدائه وفق القانون والنتائج، لا وفق قوميته أو انتمائه.

وشكرًا لصديقي فكرت، المقيم في تركيا منذ أكثر من ربع قرن، والمتابع لتفاصيل الحياة السياسية والإدارية والاجتماعية في تركيا، على ما قدمه من ملاحظات ومعلومات أسهمت في إثراء هذا المقال.

قد يعجبك ايضا