نبيل عبد الأمير الربيعي
ثمة فنانون يغادرون الحياة، لكنهم لا يغادرون الذاكرة. وثمة مبدعون لا تقاس أهميتهم بعدد المعارض والجوائز التي حصلوا عليها، وإنما بما تركوه من أثر في الوعي الإنساني، وبقدرتهم على تحويل الفن من مجرد شكل جميل إلى سؤال مفتوح عن الإنسان والحياة والحرية والألم. ومن هؤلاء الفنان التشكيلي والنحات الكويتي (سامي محمد)، الذي فقدت الحركة التشكيلية العربية، والكويتية خصوصاً، برحيله واحداً من أبرز أصواتها وأكثرها حضوراً وتميزاً.
ولد سامي محمد في الأول من أكتوبر عام 1943 في حي الصوابر بمنطقة شرق، أحد الأحياء القديمة في مدينة الكويت. ومنذ طفولته المبكرة كانت علاقته بالطين والجدران والأشكال علاقة تتجاوز لعب الأطفال. كان في السابعة من عمره يحفر جدران البيوت القديمة، ويستخرج الطين الممزوج بالتبن، ثم يعجنه بالماء ليصنع منه أشكالاً صغيرة يقدمها لأصدقائه. وربما كانت تلك الطفولة البعيدة البذرة الأولى لفنان سيجعل من المادة الجامدة لغة نابضة بالحياة.

لم يكن طريقه إلى الفن عابراً أو قائماً على المصادفة. ففي عام 1962 حصل على منحة التفرغ الكامل في المرسم الحر، ثم ابتعث عام 1966 لدراسة الفن في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة. وفي عام 1967 أسس، مع عدد من زملائه الفنانين، الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية، في مرحلة كانت الحركة الفنية الكويتية والعربية تبحث فيها عن هويتها ومساحاتها الجديدة.
ولأن سامي محمد لم يتعامل مع الفن باعتباره موهبة مكتفية بذاتها، واصل رحلته في التعلم والتجريب. حصل عام 1971 على دبلوم الجائزة الوطنية في المهرجان العالمي الثالث للرسامين في كان سورمير بفرنسا، ثم التحق عام 1974 بمعهد جونسون للنحت في برنستون بولاية نيوجيرسي الأميركية.
لكن قيمة الفنان لا تختصرها سيرته الدراسية، ولا تختزلها الجوائز، مهما كانت مهمة. فقد حصل سامي محمد على جائزة الدولة التشجيعية عام 1999، وجائزة الإبداع الفني ضمن جوائز مؤسسة الفكر العربي عام 2010، ثم جائزة الدولة التقديرية عام 2015. غير أن هذه الجوائز، على أهميتها، تظل شهادات مؤسساتية على مسيرة إبداعية أكبر من أن تُحاصر بالألقاب.
كان سامي محمد ينظر إلى الفن باعتباره قضية إنسانية قبل أن يكون تمرينًا جمالياً. ولهذا ظل الإنسان حاضراً في تجربته، لا باعتباره جسداً أو كتلةً نحتية فحسب، وإنما باعتباره كائناً يحمل الألم والذاكرة والمقاومة والرغبة في التحرر.
وهنا تكمن خصوصية تجربته. فهو لم يكن أسير مدرسة فنية مغلقة، ولم يضع نفسه داخل حدود جغرافية ضيقة. كان يستفيد من التراث، لكنه لا يعيش فيه؛ ويواكب الحداثة، لكنه لا يستسلم لها. وفي أعماله تداخلت الذاكرة المحلية مع الأسئلة الإنسانية الكبرى، فبدت الكويت حاضرة في روحه، لكن الإنسان كان حاضرًا في أفقه الأوسع.
ولعل هذا ما يجعل تجربته تتجاوز حدود الكويت والخليج إلى الفضاء العربي والإنساني.

كان يؤمن بأن الفن الحقيقي قادر على أن يخاطب الإنسان بعيداً عن جنسه وجنسيته وعرقه. ولذلك جاءت تجربته منحازة إلى الإنسان في ضعفه وقوته، في انكساره ومحاولته النهوض، وفي صراعه الدائم مع الجدران التي تبنى حوله باسم السياسة أو المجتمع أو الخوف أو القمع.
ولعل منحوتة (الاختراق) تختصر جانباً مهمًا من هذا العالم الفني؛ رجل قوي يخترق جداراً بكل ما يمتلك من قوة، لكنه يفاجأ بعد اختراقه بعائق آخر. إنها ليست مجرد كتلة من البرونز أو الحجر؛ إنها صورة رمزية للإنسان الذي يعتقد أنه تجاوز الحاجز، ليكتشف أن الطريق لا يزال مليئاً بالعوائق. في هذه اللحظة يصبح النحت فلسفة. ويصبح الجسد سؤالاً، والجدار فكرة، والاختراق فعلاً إنسانياً يتجاوز حدود المادة.
ومن أجمل ما يروى عن رؤيته الفنية حديثه عن بحثه عن (اللمسة) وما تحمله من معان داخلية، وعن رغبته في التحرر من المؤثرات التي أحاطت به وصولاً إلى غايته الشخصية فيما يريد أن يقوله كإنسان وفنان. وهذه العبارة تكشف جوهر تجربته: لم يكن يبحث عن الشكل من أجل الشكل، بل عن ذلك الشيء الخفي الذي يجعل العمل الفني قادراً على لمس وجدان المتلقي.
وفي تجربة جماعة (انعكاس للفن والثقافة) التي شارك فيها، كان هذا البعد الإنساني واضحاً أيضاً؛ إذ التقت اتجاهات فنية مختلفة، بعضها يستند إلى التراث وبعضها ينفتح على الحداثة، لكنها جميعًا تلتقي عند الإنسان بوصفه مركزاً للوجود الفني. وهذا هو الفن الذي نحتاج إليه اليوم: فن لا يعزل نفسه في برج جمالي، ولا يحول الفنان إلى موظف في مؤسسة ثقافية، بل يظل قادراً على مساءلة الواقع والدفاع عن كرامة الإنسان.
برحيل سامي محمد لا تفقد الكويت نحاتاً كبيراً فحسب، ولا تفقد الحركة التشكيلية العربية فناناً بارزاً وحسب، وإنما تفقد صوتاً فنياً كان يعرف أن الجمال ليس ترفاً، وأن الإبداع يمكن أن يكون شكلاً من أشكال المقاومة الإنسانية.
لقد رحل الجسد، وبقيت الأعمال.
بقي الطين الذي تحول إلى ذاكرة، والحجر الذي صار موقفاً، والكتلة التي أصبحت سؤالاً، والمنحوتة التي لم تعد مجرد شكل صامت، وإنما صارت شهادة على زمنها وعلى الإنسان الذي عاش فيه. الفنانون الكبار لا يحتاجون إلى أن يعلنوا خلودهم؛ أعمالهم تفعل ذلك نيابة عنهم.
وسامي محمد واحد من أولئك الذين تركوا وراءهم أكثر من منحوتة ومعرض وجائزة. تركوا قضية؛ قضية الإنسان في مواجهة القهر، والحرية في مواجهة الجدار، والجمال في مواجهة القبح، والإبداع في مواجهة كل ما يحاول اختزال الإنسان أو مصادرته.
رحم الله سامي محمد، الفنان الكبير في فنه، والإنسان في موقفه، والمبدع في تجربته. ستبقى أعمالك تتحدث عنا وعن زمننا، وستظل قضيتك حيّة ما دام في هذا العالم إنسان يتطلع إلى الحرية والكرامة والسلام. نم بسلام، فقد تركت وراءك من يواصل الطريق، وسيبقى الفن الذي آمنت به قادراً على عبور الحدود، لأن الإنسان الذي أحببته في أعمالك لا وطن له سوى الإنسانية.