«حين تستشهد اللغة: أندلسُ الذاكرة وبلاغةُ الانكسار في قصيدة «في رِقٍّ يكتبُ أغنيتي» للشاعر السيد زكريا

د اميمة منير جادو

قراءة تحليلية نقدية

تقوم قصيدة «في رِقٍّ يكتبُ أغنيتي» للسيد زكريا على استدعاء الأندلس بوصفها ذاكرةً تاريخية للهزيمة، لكنها لا تستعيدها استعادةً سردية أو احتفالية، وإنما تجعل منها مرآةً لوعي معاصر بالانكسار. ومن ثم فالأندلس في النص ليست مكانًا تاريخيًا فحسب، بل حالة تتكرر كلما فقد الإنسان كرامته، وتحولت لغته إلى شاهد على سقوطه.

منذ العنوان: «في رِقٍّ يكتبُ أغنيتي»، تتأسس المفارقة المركزية في القصيدة؛ فـ«الرِّقّ» يحيل إلى الكتابة، لكنه يحمل في الوقت نفسه دلالة الرق والاستعباد. وكأن الأغنية، التي يفترض أن تكون صوت الحرية، تُكتب على مادة تستدعي العبودية. وهذه المفارقة تفتح الطريق أمام القراءة كلها: كيف يمكن للقصيدة أن تغني وهي تُكتب في زمن القيد؟ وكيف تتحول اللغة من أداة للبوح إلى وثيقة على الانكسار؟

يبدأ الشاعر بـ«عبثًا أشتاق»، ثم يردفها بـ«ويملاني عبث العشاق»، فيحضر الحب منذ البداية محمّلًا بالإخفاق، قبل أن يتحول الاشتياق إلى صورة أكثر قسوة: «من يعشق سهمًا / أطعمه / ذُلًّا رقاق». فالسهم هنا ليس مجرد أداة إصابة، بل يمكن أن يُقرأ بوصفه قدرًا موجّهًا إلى الذات العاشقة؛ حبٌّ ينتهي إلى الذل، وشوقٌ لا يقود إلى الوصال، وإنما إلى الجرح. ومن ثم تنتقل القصيدة من الخاص إلى العام دون إعلان مباشر، إذ يصبح الجرح الفردي مدخلًا إلى جرح جماعي.

وتتأكد مركزية الكتابة في قوله: «في السوق / تدلت قافيتي / نحو السُّرّاق». فالقافية التي يفترض أن تمنح القصيدة انتظامها وجمالها تصبح شيئًا معلقًا في السوق، معرضًا للسرقة. إن الشاعر لا يجعل المسروق مالًا أو أرضًا فقط، وإنما يجعل القافية نفسها، أي اللغة والشعر والهوية، عرضة للسلب. ولهذا يبدو الشعر في القصيدة شاهدًا على ضياع ما هو أعمق من الممتلكات المادية.

ثم تأتي صورة «دمع الأحداق» ليكتب الأغنية بدل الشاعر، ويوازيها النهر الذي «يفيض بأدمعه». هنا تتسع مساحة الحزن من العين إلى الطبيعة ذاتها؛ فالماء الذي يفترض أن يكون رمزًا للحياة والخصب يتحول إلى حامل للدموع. وتصبح الطبيعة شريكة في المأساة، لا مجرد خلفية لها.

وعند قوله: «الناس بأندلسي / ضجوا / والموت وفاق» تتكشف الوجهة التاريخية للنص. غير أن الشاعر لا يقدم الأندلس باعتبارها ماضيًا منتهيًا، بل يجعلها صيغة للحاضر. فـ«أندلسي» ليست مجرد إشارة إلى غرناطة، وإنما هي مساحة رمزية تتقاطع فيها الذاكرة مع الواقع. والمفارقة في تركيب «الموت وفاق» أن الوفاق، وهو لفظ يرتبط عادةً بالحياة المشتركة والسلام، يقترن بالموت؛ وكأن الجماعة لم تعد تتفق إلا على الهزيمة. وتبلغ المفارقة ذروتها في: «مُسخ الفرسانُ بها قهرًا / ما من طرّاق».

فالفرسان، رمز القوة والمقاومة، يتعرضون للمسخ تحت وطأة القهر، بينما يخلو المكان من «الطُّرّاق»؛ أي من القادمين أو السالكين أو من يطرقون باب الخلاص. وبذلك يتحول سقوط الأندلس إلى سقوط في الفاعلية نفسها: ليست المشكلة في الهزيمة وحدها، وإنما في غياب القادر على دفعها.

ويأتي الموت في صورة أكثر غرابة: «الموت بدا / طلقًا يهوي / في زيف عناق». فالعناق الذي يفترض أن يكون فعل قرب وحياة وأمان، ينكشف باعتباره «زيفًا»، بينما يأتي الموت حرًّا طليقًا. إنها مفارقة تكشف عالمًا اختلت فيه القيم: ما يبدو احتضانًا قد يكون استسلامًا، وما يبدو حياة قد يخفي الموت.

أما العبارة الأشد دلالة في بناء القصيدة فهي: «لغتي تستشهد شامخة / غاض الترياق». فاللغة هنا ليست أداة التعبير عن المأساة فحسب، وإنما تصبح شهيدةً لها. ووصفها بأنها «شامخة» يمنع القصيدة من السقوط في الرثاء الخالص؛ فاللغة قد تُجرح وتستشهد، لكنها لا تنحني. وفي المقابل «غاض الترياق»، أي غاب العلاج، فتصل القصيدة إلى مفارقة حادة: اللغة باقية في شموخها، بينما ينحسر دواء الجرح.

ثم يختزل الشاعر سقوط الأندلس في صورة مركزة: «غرناطة ماتت في دعةٍ / من دون فواق». الموت هنا لا يأتي مصحوبًا بمشهد بطولي صاخب، بل يحدث في «دعة»، أي في سكون وهدوء. وهذه الدعة هي المفارقة الأشد إيلامًا؛ لأن السقوط لا يحدث دائمًا وسط صخب المعركة، بل قد يحدث في لحظة الغفلة والاستكانة. و«من دون فواق» تكثف الإحساس بالموت الصامت الذي لا يمنح الضحية حتى فرصة الاسترداد أو المقاومة.

وفي المقطع الأخير تتكثف دلالة الانهيار الأخلاقي والوجودي: «سقطت أوراق / كرامتنا / عارًا دفّاق». فالأوراق قد تُحيل إلى أوراق الشجر، أو إلى أوراق التاريخ والكتابة، أو إلى أوراق الهوية التي تتساقط واحدة بعد أخرى. ويأتي الجمع بين «كرامتنا» و«عارًا دفّاق» ليجعل السقوط الجماعي سقوطًا للقيمة لا للمكان وحده. ثم تأتي المقابلة الزمنية في الخاتمة:«بالأمس تجلّت باثقةً، / والآن تراق»، فتنشأ ثنائية الأمس/الآن، والبثقة/التراق، لتختصر المسافة بين زمن كان فيه المجد ظاهرًا وزمن أصبح فيه المصير مهددًا.

ومن الناحية الفنية، تعتمد القصيدة على التكثيف والإيحاء والحذف، وعلى قافية متواترة ذات صوت القاف، تتكرر في: «العشاق، رقاق، السراق، الأحداق، وثاق، وفاق، طرّاق، عناق، الترياق، فواق، دفّاق، تراق». وتمنح القاف النص نبرة صلبة حادة تتناسب مع قاموس الجرح والقهر والموت والسقوط. كما أن قصر الأسطر وتقطيع الجمل يخلقان إيقاعًا متقطعًا، يشبه أنفاس المتكلم وهو يستعيد مشاهد الانهيار.

وتقوم القصيدة كذلك على شبكة من المفارقات: الأغنية تُكتب في «رِقّ»، العشق يقود إلى الذل، القافية تتدلى للسراق، الموت يصبح وفاقًا، العناق يتحول إلى زيف، واللغة تستشهد وهي شامخة. وهذه المفارقات ليست زخرفة بلاغية، وإنما هي الآلية التي يكشف بها الشاعر اختلال العالم الذي يتحدث عنه.

أما الأندلس، فهي في النهاية رمز قابل لإعادة التفعيل؛ إذ تتحول غرناطة من واقعة تاريخية إلى بنية شعورية تتكرر في الوعي الجمعي كلما تكررت الهزيمة وضاعت الكرامة وتعرضت اللغة للسلب. ولهذا لا تنتهي القصيدة عند الماضي، بل تضع الحاضر ضمن ظله الثقيل.

وتتمثل القيمة الأبرز للنص في أنه لا يستعيد الأندلس من أجل الحنين إليها، بل يستدعي سؤال السقوط: كيف تتحول القوة إلى قهر، والفرسان إلى مسوخ، واللغة إلى شهيدة، والكرامة إلى عار؟ ومن هنا تصبح القصيدة أقرب إلى مرثية للإنسان حين يفقد شروط مقاومته، وإلى إنذار بأن سقوط المدن يبدأ أحيانًا قبل سقوط أسوارها، حين يسقط الوعي والكرامة والإرادة.

وبذلك تنجح القصيدة في بناء أندلس رمزية تتجاوز التاريخ إلى الحاضر؛ أندلسٌ لا تُرى فقط في غرناطة التي ماتت، وإنما في كل موضع تصبح فيه الكرامة مهددة، واللغة مثقلة بالدمع، والوعي عاجزًا عن صناعة «الترياق». ومع ذلك تظل اللغة نفسها، في قلب هذا الخراب، «شامخة»؛ وهذه هي النافذة الوحيدة التي لا يغلقها النص تمامًا أمام إمكان استعادة الوعي.
——
ملحق القصيدة (رِقٍ يكتبُ أغنيتي) للشاعر السيد زكريا

عبثًا أشتاق
ويملاني عبث العشاق
من يعشق سهمًا

أطعمه
ذُلًّا رقَّاق

في السوق
تدلت قافيتي
نحو السُّرَّاق

في رقِّ
يكتب أغنيتي
دمعُ الأحداق

والنهر يفيض بأدمعه
من غير وثاق
الناس بأندلس
ضجوا
والموت وفاق

مُسخ الفرسانُ بها قهرًا
ما من طرَّاق

الموت بدا
طلقًا يهوي
في زيف عناق

لغتي تستشهدُ شامخة
غاض الترياق

غرناطة ماتت في دعةٍ
من دون فواق

سقطت أوراق
كرامتنا
عارًا دفَّاق

بالأمس تجلَّلت باثقةً،
والآن تراق

قد يعجبك ايضا