د. رضوان باديني
في الآونة الأخيرة، صدر عن مطبعة ميران في مدينة القامشلي كتابٌ تاريخيٌّ قيّم، يُعد إضافةً نوعية إلى المكتبة الكوردية والسورية، لما يتضمنه من مادة غنية ونادرة توثق البدايات الأولى لتشكّل الحركة السياسية الكوردية في سوريا، بوصفها امتدادا طبيعيا للحركة القومية الكوردية في كوردستان تركيا.
يحمل الكتاب عنوانا سلسا: «سيرة عالم… ومسيرة مناضل»، ويستند إلى السردية الشخصية لأحد أبرز مؤسسي تلك المرحلة، الشيخ الجليل محمد عيسى، الذي اضطلع بدور مؤثر في الحياة الوطنية والقومية. وقد تولى إعداد هذه المذكرات وتحريرها نجله الدكتور أحمد ريزان، فعمل على تحقيق نصوصها ومراجعتها بعناية، مستندا إلى البحث والتوثيق والتنقيب في المصادر، وإلى شهادات من بقي على قيد الحياة من رفاق الشيخ ومعاصريه، ليخرج العمل في صورة وثيقة تاريخية تجمع بين أصالة الشهادة ودقة التوثيق.
ولا يقتصر الكتاب على استعراض سيرة الشيخ محمد عيسى ومسيرته العلمية والنضالية، بل يمتد إلى توثيق حياة والده، الشيخ محمود قره كوي بما لها من حضور في الذاكرة الاجتماعية والوطنية، كما يسلط الضوء على علاقته بثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، وما تركته تلك الثورة من أثر عميق في الوعي القومي الكردي وفي مسار الحركة الوطنية في المنطقة
يقع الكتاب في نحو 303 صفحات، وصدر عام 2026.
أن الكتاب لا يقتصر على سيرة شخصية، بل يتناول محطات رئيسية في تاريخ الحركة الكوردية في سوريا، مثل:
– الجذور المرتبطة بثورة الشيخ سعيد بيران.
– تأسيس أول حزب كردي في سوريا عام 1957.
– مرحلة الوحدة السورية المصرية.
– عهد الانفصال ثم حكم البعث.
– تطور الحركة الكوردية، مع شهادات ووثائق وصور تاريخية.
كما تؤكد المقدمة أن المؤلف يرى في الشيخ محمد عيسى نموذجاً للعالم الذي جمع بين الرسالة الدينية والالتزام الوطني، وأن الكتاب يمثل محاولة لإنصاف شخصية لم تحظ بما تستحقه من التوثيق، وجعل سيرتها نافذة لفهم مرحلة كاملة من تاريخ الكورد في سوريا وكوردستان.
تقييم الكتاب
يبدو، من خلال مادته الأولية، أن هذا الكتاب يمثل إضافة مهمة للمكتبة التاريخية الكوردية للأسباب التالية:
ليس مجرد سيرة ذاتية، بل يوثق مرحلة كاملة من تاريخ الحركة الكوردية السورية.
يعتمد على الشهادات والمذكرات والوثائق، وهو ما يمنحه قيمة توثيقية تتجاوز السرد التقليدي.
يربط بين الأجيال، إذ يبدأ بجيل ثورة الشيخ سعيد بيران، ثم ينتقل إلى نشوء الحركة السياسية الكوردية الحديثة في سوريا.
يبرز دور العلماء ورجال الدين في تشكيل الوعي القومي الكوردي، وهو جانب لم يحظ بالاهتمام الكافي في كثير من الدراسات.
⸻
والكتاب حقا «سيرة عالم… ومسيرة مناضل» وهو نافذة جديدة لفهم تاريخ الحركة الكوردية السورية
وهو ليس ككل الكتب التي تتناول حياة شخصية تاريخية بمجرد سرد سيرة ذاتية، فبعضها يتحول إلى وثيقة تؤرخ لعصر كامل. وهذا ما يبدو جلياً في، سيرة الشيخ محمد عيسى، لكنه في نفس الوقت يقدم للقارئ تاريخاً متكاملاً لمسيرة الحركة الوطنية الكوردية في سوريا عموما، منذ جذورها الفكرية والدينية وحتى مراحل تنظيمها السياسي.
تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يعيد الاعتبار لدور العلماء والمثقفين الدينيين في الحياة الوطنية الكوردية، بعيداً عن الصورة النمطية التي تحصر العمل القومي في الأحزاب والتنظيمات السياسية. فالشيخ محمد عيسى، كما يظهر في صفحات الكتاب، لم يكن رجل دين منعزلاً عن قضايا شعبه، بل كان جزءاً من حركة اجتماعية وثقافية ووطنية واسعة، امتدت جذورها إلى ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، ثم تواصلت مع ولادة الحركة السياسية الكوردية الحديثة في سوريا.
ويتميز الكتاب أيضاً بأنه لا يكتفي بالسرد، بل يوثق الأحداث اعتماداً على المذكرات والشهادات والوثائق والصور، الأمر الذي يمنحه قيمة تاريخية كبيرة، ويجعله مرجعاً للباحثين والمهتمين بتاريخ الكورد في سوريا.
ومن خلال فصوله، يتابع القارئ مراحل تأسيس أول حزب كردي في سوريا، وظروف الوحدة السورية المصرية، ومرحلة الانفصال، ثم سنوات حكم البعث، وما رافقها من تحديات سياسية واجتماعية للحركة الكوردية. وبذلك يتحول الكتاب إلى سجل تاريخي يرصد تطور الوعي القومي الكوردي خلال ما يقارب قرناً من الزمن.
كما تكمن أهمية العمل في أنه يربط بين الأجيال؛ فمن خلال الحديث عن الشيخ محمود قره كوي وثورة الشيخ سعيد، ثم الانتقال إلى الشيخ محمد عيسى ودوره في الحركة الوطنية السورية، يقدم المؤلف صورة متصلة للتاريخ، تؤكد أن الحركة الكوردية لم تكن وليدة لحظة سياسية عابرة، بل امتداداً لتراكم فكري وروحي ونضالي طويل.
إن هذا النوع من المؤلفات تسد فراغاً كبيراً في المكتبة الكوردية، لأن تاريخ الحركة الكوردية السورية ما يزال بحاجة إلى مزيد من التوثيق العلمي، وإلى نشر المذكرات والسير الشخصية والوثائق الأصلية، قبل أن تضيع مع رحيل أصحابها.
لهذا يمكن النظر إلى «سيرة عالم… ومسيرة مناضل» بوصفه أكثر من كتاب عن شخصية واحدة؛ فهو شهادة حية على مرحلة تاريخية، وإسهام في حفظ الذاكرة الوطنية الكوردية، ودعوة إلى إعادة قراءة تاريخ الحركة الكوردية السورية من خلال رجالها، وأفكارها، وتحولاتها، بعيداً عن الروايات المختصرة .