شيلان گوران
في الوقت الذي تتجه فيه دول العالم إلى تطوير منظوماتها القانونية لمواكبة التحديات الجديدة التي تواجه الأطفال في العصر الرقمي، أعلنت المملكة المتحدة مؤخراً عن توجهها لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن السادسة عشرة، وفرض قيود على البث المباشر والتواصل مع الغرباء وبعض خصائص الألعاب الإلكترونية، في إطار سياسات تهدف إلى حماية الأطفال من المخاطر الرقمية والإدمان الإلكتروني والاستغلال عبر الإنترنت. في وقت التي سبقتها كل من دولة الامارات العربية المتحدة و استراليا.
ولا يمثل هذا التوجه إنشاء لحق جديد للطفل بقدر ما يمثل مرحلة متقدمة من تطور التشريعات الخاصة بحمايته. فالدول التي تناقش اليوم حماية الطفل من مخاطر الذكاء الاصطناعي والخوارزميات الرقمية والتنمر الإلكتروني، تمتلك منذ عقود قوانين أساسية ومتخصصة لحماية الطفل، وتعمل باستمرار على تحديثها لمواجهة التحديات المستجدة.
وعلى النقيض من ذلك، لا يزال العراق يواجه فجوة تشريعية كبيرة تتمثل في غياب قانون وطني شامل لحماية الطفل، رغم مصادقته على اتفاقية حقوق الطفل منذ عام 1994 وانضمامه إلى البروتوكولات الاختيارية الملحقة بها لاحقاً. وقد شهدت السنوات الماضية محاولات متكررة لإقرار مشروع قانون حماية الطفل، إلا أن القانون لم يرَ النور حتى الآن رغم إحالته إلى مجلس النواب ومناقشته في أكثر من دورة برلمانية.
إن غياب قانون حماية الطفل لا يعني فقط نقصاً تشريعياً، بل ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة في مواجهة العديد من الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال، ومنها العنف الأسري، والإهمال، والاستغلال الاقتصادي، وعمالة الأطفال، والتسرب من التعليم، وزواج القاصرات، والاستغلال عبر الفضاء الرقمي. وتشير تقارير حقوقية إلى أن مشروع القانون المطروح يعد الأول من نوعه في العراق، وأنه يتضمن حماية الأطفال من العنف والاستغلال وسوء المعاملة وتكريس حقوقهم الأساسية في الصحة والتعليم والحياة الكريمة.
وتزداد أهمية هذا التشريع في ظل المؤشرات المقلقة المتعلقة بأوضاع الطفولة في العراق، حيث تستمر ظواهر زواج الأطفال والتسرب المدرسي والاستغلال الاقتصادي للأطفال، وهي تحديات تتطلب إطاراً قانونياً متكاملاً يحدد مسؤوليات الدولة والمؤسسات المختلفة ويوفر آليات واضحة للحماية والتدخل المبكر.
ومن الناحية القانونية، فإن وجود قانون خاص بحماية الطفل لم يعد ترفاً تشريعياً أو خياراً سياسياً، بل أصبح ضرورة تفرضها الالتزامات الدولية للعراق بموجب اتفاقية حقوق الطفل، كما يمثل أداة أساسية لترجمة المبادئ الدستورية المتعلقة بحماية الأسرة والطفولة إلى إجراءات تنفيذية قابلة للتطبيق.
كما أن دولاً أوروبية أخرى مثل فرنسا وألمانيا اعتمدت خلال السنوات الأخيرة تشريعات وإجراءات أكثر صرامة لحماية الأطفال على الإنترنت، تشمل تعزيز الرقابة على المنصات الرقمية، وفرض متطلبات للتحقق من العمر، وتشديد المسؤولية القانونية على الشركات التقنية في ما يتعلق بالمحتوى الضار الموجه للقاصرين. وعلى المستوى العربي، اتخذت دول مثل الإمارات العربية المتحدة خطوات متقدمة في مجال حماية الطفل الرقمي من خلال سياسات وتشريعات تستهدف مكافحة التنمر الإلكتروني والاستغلال عبر الإنترنت وتعزيز بيئة رقمية آمنة للأطفال. وتبرز هذه النماذج حجم الفجوة مع الواقع العراقي، حيث لا يزال النقاش يدور حول إقرار الإطار القانوني الأساسي لحماية الطفل قبل الانتقال إلى تنظيم التحديات الرقمية الأكثر تعقيداً.
إن المقارنة بين ما يجري اليوم في بريطانيا وغيرها من الدول المتقدمة وبين الواقع التشريعي العراقي تكشف فجوة واضحة؛ فبينما تناقش تلك الدول كيفية حماية الأطفال من مخاطر البث المباشر والتواصل مع الغرباء والذكاء الاصطناعي، لا يزال العراق يناقش إقرار القانون الأساسي الذي يمنح الطفل الحماية القانونية الشاملة من الانتهاكات التقليدية التي تهدد حياته ونموه وسلامته.
وعليه، فإن الأولوية الوطنية في العراق يجب أن تنصب على الإسراع في إقرار قانون حماية الطفل، باعتباره حجر الأساس لأي سياسات مستقبلية تتعلق بحقوق الطفل وحمايته، سواء في العالم الواقعي أو في البيئة الرقمية. فالتحدي الحقيقي لم يعد في مواكبة تشريعات المستقبل فحسب، بل في استكمال البنية القانونية الأساسية التي تضمن للطفل العراقي حقه في الحماية والأمان والكرامة.