الكَرّةُ الخاسرة

سمير ميراني

منذ قرون طويلة، يتكرر في منطقتنا منهج واحد في أنظمة الحكم، تتبدل وسائله، وتبقى غايته واحدة : يصنعون صمت الشعوب، ثم يسمونه رضا.
ولعلّ من أبلغ ما رُوي في هذا المعنى، ما نسب إلى أبي جعفر المنصور ورجل من رعيته.
تقول الرواية : إن أبا جعفر المنصور بينما كان يطوف بالكعبة ذات ليلة، سمع رجلاً يدعو الله شاكياً انتشار الظلم والفساد في الأرض، فاستدعاه، فقال له الرجل كلمةً ما جرؤ عليها أحد من حاشيته من قبل :” أنت الذي استولى عليه الطمع حتى حال بين الحق وأهله، وملأ الأرض ظلماً وفساداً.”
ولم تتوقف تلك الكلمة عند المنصور ، فهي تتردد اليوم أمام كل من سلك دربه: أنتم.
فمنهج الترهيب والترغيب لا يحتاج جيشاً ولا سجوناً، يكفيه أن ترهبوا الناس حتى يصمتوا، وأن تمنحوهم عطاءً هنا وإعفاءً هناك، حتى يشغلهم الامتنان عن السؤال : ما لكم كيف تحكمون؟
لقد استرعاكم الشعب شؤونه وأمواله، فتركتم مصالحه وانشغلتم بجمع الأموال، جعلتم بينكم وبين رعيتكم حجاباً من القصور، وأحطتم أنفسكم بالحراس المدججين بالسلاح، ولم تأذنوا بالدخول إلا لنفرٍ اخترتموهم لأنفسكم، فجعلتموهم ولاةً على الناس.
فلما رأت حاشيتكم أنكم تجمعون الأموال وتكنزونها ، قالت : إذا كان أصحاب السلطان قد خانوا الأمانة، فما يمنعنا من خيانتها ؟ فحبست ما شاءت من أموال الناس، واستأثرت بها لنفسها، وأصبحت شريكةً لكم في سلطانكم، وأنتم لا تكترثون بما تصنع.
فإذا جاء المظلوم يطلب الإنصاف، وجد على بابكم من يماطل قضيته إن كان الظالم من خاصتكم، ويؤخرها يوماً بعد يوم، فإذا ألح حتى وصل إليكم صاح بحقه، فقامت حاشيتكم بإهانته ومعاقبته، ليكون عبرةً لغيره، وأنتم ترون ذلك ولا تحاسبونهم.
وهكذا، يصير الظلم منهجاً يحرس نفسه : تصنع السلطة الخوف، وتحرس الحاشية امتيازاتها، وتعاقب كل من يطالب بحقه.
فبين هذا الترهيب وذاك الترغيب، يظن أصحاب العروش أنهم يملكون رضا الناس، وهم لا يملكون سوى صمتهم. تلك إذاً كَرَّةٌ خاسرةٌ.
وبين الرضا والصمت مسافة طويلة، تطويها الأيام، حتى يصبح للصوت موعده.

قد يعجبك ايضا