حين تصنع الأرض الهوية: كيف تشكّل الوعي الكوردي في سوريا؟ قراءة في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة والهوية
*ماهين شيخاني.
تمهيد: الوعي لا يولد من الشعارات
كثيراً ما يُختزل الوعي القومي في الخطب الحماسية، أو في الأدبيات السياسية، أو في الخطاب الثقافي. غير أن التجارب التاريخية تُظهر أن الهوية لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل تتشكل في المقام الأول من التجربة اليومية للإنسان، ومن علاقته بأرضه، وعمله، وحقوقه، ومستقبله.
فالوعي لا ينشأ في الفراغ، بل يتكوّن عند نقطة التقاء الذاكرة بالتجربة، والثقافة بالواقع، والحقوق بالحرمان. وإذا كانت اللغة والتاريخ والرموز تشكل الركائز الثقافية للهوية، فإن الواقع الاقتصادي والاجتماعي هو الذي يمنحها قوتها واستمرارها.
وتُعد التجربة الكوردية في سوريا مثالاً واضحاً على هذا التفاعل؛ إذ لم يتبلور الوعي القومي نتيجة التنظير السياسي وحده، وإنما عبر عقود من السياسات التي مست حياة الناس مباشرة، من الأرض إلى الجنسية، ومن التعليم إلى فرص العمل. غير أن هذه التجربة لم تتشكل في عزلة عن البيئة الإقليمية والدولية، بل كانت دائماً رهينة للتوازنات المتغيرة ولتداخل المصالح الخارجية.
أولاً: الأرض.. حين تتحول وسيلة العيش إلى قضية وجود
في المجتمعات الزراعية، لا تمثل الأرض مجرد ملكية خاصة، بل تعني الذاكرة والكرامة والاستقرار والامتداد التاريخي. لذلك، حين بدأت الدولة السورية، منذ ستينيات القرن الماضي، بتطبيق سياسات الإصلاح الزراعي، ثم أتبعتها بمشروع الحزام العربي عام 1974، لم يكن الأمر مجرد إعادة توزيع للأراضي وفق رؤية اقتصادية، بل رآه كثير من الكورد مساساً بعلاقتهم التاريخية بأرضهم، بعد تهجير آلاف العائلات وإعادة رسم الخريطة السكانية في أجزاء من الجزيرة السورية.
في هذا السياق، تحولت الأرض من وسيلة للإنتاج إلى رمز للهوية، وأصبح الدفاع عنها دفاعاً عن الوجود نفسه. فالإنسان الذي يفقد أرضه لا يخسر مصدر رزقه فقط، بل يشعر أن جزءاً من تاريخه يُنتزع منه، وأن هويته التي لا تنفصل عن تلك الجغرافيا تتعرّض للاهتزاز. ولهذا، لم تكن مقاومة سياسات الإقصاء مجرد رد فعل سياسي، بل كانت دفاعاً عن علاقة وجودية بالوطن.
ثانياً: الجنسية.. عندما يصبح الإنسان غريباً في وطنه
شكّل الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 نقطة تحول مفصلية في الوعي الكوردي. فبعد تجريد عشرات الآلاف من الكورد من الجنسية السورية، وجد كثيرون أنفسهم محرومين من التملك والعمل والسفر والتعليم، وتحولت المواطنة إلى امتياز لا حق. في عام 1962، أجرت السلطات السورية إحصاءً استثنائياً في محافظة الجزيرة، أسفر عن تجريد نحو 120 ألف كوردي من جنسيتهم، ليصبحوا في عداد “الأجانب” أو “مكتومي القيد”، وشكّلوا حوالي 20% من السكان الكورد في سوريا آنذاك.
ولم تكن آثار القرار قانونية فحسب، بل نفسية واجتماعية أيضاً. فحين يُعامل الإنسان في وطنه كأنه وافد، يبدأ بالتساؤل عن موقعه في الدولة، وعن معنى الانتماء، وعن العدالة التي يفترض أن تجمع المواطنين. ومن هنا، لم يكن الوعي السياسي نتاج الكتب، بل نتاج الطوابير الطويلة أمام الدوائر الحكومية، والطلبات المرفوضة، والحقوق المؤجلة.
ثالثاً: الاقتصاد.. عندما يتحول الغنى إلى فقر
تمتلك محافظة الحسكة واحدة من أغنى المناطق السورية بالنفط والغاز والقمح والقطن والثروة الحيوانية. إذ تحتضن نحو 40% من احتياطي النفط السوري وحوالي 30% من الإنتاج الزراعي، ومع ذلك ظلت نسبة الفقر فيها من الأعلى، وتجاوزت البطالة بين الشباب نسبة 35% قبل عام 2011.
لكن المفارقة أن هذه الثروات لم تنعكس، طوال عقود، على مستوى التنمية المحلية بالشكل الذي كان يأمله السكان. فالهجرة بحثاً عن العمل أصبحت جزءاً من حياة آلاف الشباب، وظلت المنطقة تعاني من ضعف الاستثمار الصناعي والخدمي مقارنة بما تمتلكه من موارد.
ومع تراكم هذا الواقع، بدأ يتشكل سؤال جديد: كيف يمكن لمنطقة تنتج ثروة البلاد أن تبقى من أقل مناطقها نمواً؟ ومن هنا، لم يعد النقاش يدور حول الهوية الثقافية وحدها، بل امتد إلى العدالة الاقتصادية، وتوزيع الموارد، وحق المجتمعات المحلية في الاستفادة من ثرواتها.
رابعاً: الإدارة الذاتية.. وعي الممارسة وامتحان الاندماج
بعد عام 2011، ومع انسحاب مؤسسات الدولة من أجزاء واسعة من شمال شرق سوريا، ظهرت تجربة الإدارة الذاتية. وللمرة الأولى، وجد الكورد أنفسهم يشاركون في إدارة مؤسسات محلية، وتنظيم التعليم، والإدارة المدنية، وإدارة جزء من الموارد الطبيعية. هذا التحول لم يكن سياسياً فقط، بل نفسياً أيضاً؛ فقد انتقل جزء من المجتمع من موقع المطالبة بالحقوق إلى موقع تحمل المسؤولية.
لكن الزمن تغير، والمعادلات تبدلت. فما كان يُقرأ قبل سنوات كـ”انتقال الوعي من المطالبة إلى الممارسة”، أصبح اليوم بحاجة إلى إعادة قراءة في ضوء المتغيرات الدراماتيكية التي شهدتها سوريا، وفي مقدمتها سقوط النظام السابق وبروز إدارة سياسية جديدة في دمشق.
منذ سقوط النظام السابق: الإدارة الذاتية في مواجهة الاختبار الأكبر
مع التحولات الكبرى في المشهد السوري، أصبحت الإدارة الذاتية أمام واقع جديد:
· لم تعد تواجه نظاماً معادياً فقط، بل أصبحت طرفاً في مفاوضات اندماج مع حكومة مركزية جديدة تحمل وعوداً مختلفة.
· لم يعد السؤال: كيف ندير أنفسنا؟ بل أصبح: كيف نندمج في سوريا الجديدة دون أن نفقد مكتسباتنا؟
· لم تعد الأولوية للمقاومة، بل أصبحت للحفاظ على المكاسب في سياق سياسي مختلف.
مسار الاندماج: بين الطموح والخوف
اليوم، ومع بدء التفاهمات بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية الجديدة، يواجه الكورد في سوريا مفترق طرق جديد:
أولاً: الاندماج المؤسساتي
· دمج المؤسسات العسكرية (قسد في الجيش السوري).
· دمج المؤسسات الإدارية والمدنية ضمن هيكل الدولة.
· الحفاظ على الموظفين المدنيين في مناصبهم.
ثانياً: المخاوف المشروعة
· هل سيكون الاندماج مجرد “استيعاب” للإدارة الذاتية وإلغاء لها؟
· هل ستتحول المكاسب التي تحققت منذ 2011 إلى مجرد ذكريات؟
· هل سيتم الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية أم ستُطوى صفحتها؟
ثالثاً: الفرصة التاريخية
· إمكانية تحويل الإدارة الذاتية من “تجربة مؤقتة” إلى “مكون دائم” في سوريا الجديدة.
· فرصة لترسيخ حقوق الكورد في الدستور السوري الجديد.
· إمكانية بناء علاقة جديدة مع دمشق تقوم على الشراكة لا التبعية.
الوعي في مرحلة الاندماج: من الممارسة إلى التفاوض
إذا كانت المرحلة السابقة قد شكّلت وعياً قائماً على الممارسة الذاتية، فإن المرحلة الحالية تتطلب وعياً جديداً قائماً على:
· التفاوض الذكي: عدم التفريط بالمكتسبات مقابل وعود غير مضمونة.
· المشاركة السياسية: تحويل القوة الميدانية إلى قوة سياسية دائمة.
· الحفاظ على الهوية: ضمن إطار وطني موسع.
وهذا يعني أن الوعي الكوردي اليوم يمر بمرحلة انتقالية جديدة: لم يعد وعي المقاومة فقط، ولم يعد وعي الإدارة الذاتية فقط، بل أصبح وعياً اندماجياً، يحاول أن يوفق بين البقاء ككيان متميز، والانخراط في دولة موحدة.
التحديات الجديدة التي تواجه هذا الوعي:
1. التوقيت: هل هذا الاندماج مبكر جداً، أم أنه اللحظة المناسبة بعد سقوط النظام السابق؟
2. الضمانات: هل ستكون الحقوق الكوردية مضمونة دستورياً، أم ستظل رهينة للنوايا الحسنة؟
3. الإرادة الدولية: كيف ستتعامل القوى الكبرى مع هذا الاندماج، وهل ستكون داعمة أم متفرجة؟
4. الوحدة الكوردية: هل سيكون هناك موقف كوردي موحّد في هذه المرحلة، أم ستستمر الانقسامات؟
الخلاصة في هذه النقطة:
الإدارة الذاتية لم تعد مجرد تجربة محلية، بل أصبحت جزءاً من معادلة الدولة السورية الجديدة. ما تحقق بين 2011 و2024 كان إنجازاً تاريخياً، لكنه ليس نهاية الطريق. ما يحدث اليوم من اندماج ليس انتهاءً للتجربة، بل هو امتحان جديد لقدرة الكورد على تحويل مكتسباتهم إلى حقوق دائمة. الوعي الكوردي اليوم بحاجة إلى تجاوز النمط القديم (مقاومة / إدارة ذاتية) إلى وعي جديد: شراكة وطنية بضمانات دستورية.
خامساً: الانقسامات الداخلية.. الوعي بين الوحدة والتشظي
غير أن الواقع الكوردي في سوريا لا يمكن اختزاله في صورة واحدة موحدة. فهناك انقسامات داخلية عميقة:
· سياسياً: بين المجلس الوطني الكوردي (ENKS) وبين الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD). هذا الانقسام أضعف التمثيل الكوردي في المفاوضات مع دمشق وأعطى النظام فرصة للعب على التناقضات.
· إدارياً: فبينما تسيطر الإدارة الذاتية على أجزاء واسعة من شمال شرق سوريا، فإن مناطق مثل عفرين وشهبا تخضع لسيطرة فصائل مدعومة تركياً، ومناطق أخرى مثل منبج تشهد تنافساً على النفوذ.
· اجتماعياً: هناك تباين في الأولويات بين المدن الرئيسية (الحسكة، القامشلي) والمناطق الريفية، وبين الأجيال الشابة التي تشربت ثقافة الثورة، والأجيال الأكبر التي عاشت مراحل القمع البعثي.
هذه الانقسامات تطرح تحدياً حقيقياً للوعي الجمعي، وتذكرنا بأن الهوية ليست خطاباً موحداً، بل هي ميدان صراع بين رؤى مختلفة للمستقبل. وكما أن الحرمان وحّد الوعي في مرحلة سابقة، فإن تداخل المصالح والانقسامات قد يعيد تشكيله بطرق جديدة لم نعتد عليها.
سادساً: البعد النسوي والاجتماعي.. المرأة في قلب الوعي الجمعي
ولا يمكن فهم تطور الوعي الكوردي دون قراءة دور المرأة فيه. فالمرأة الكوردية في سوريا لم تكن مجرد متلقية للوعي الجمعي، بل كانت فاعلة رئيسية في تشكيله:
· في مرحلة الحرمان، كانت النساء أكثر تضرراً من سياسات التجريد من الجنسية، لأن الحرمان من التعليم والعمل كان يطالهن بشكل مضاعف
· أثناء الثورة، لعبت المرأة دوراً محورياً في تنظيم المجتمع المحلي، وفي مؤسسات الإدارة الذاتية، وفي تشكيل مفاهيم مثل “العدالة الاجتماعية” و”المشاركة السياسية”.
· في واقع اليوم، تعاني النساء من أعباء إضافية نتيجة تردي الخدمات وارتفاع الأسعار، مما يجعلهن أكثر تأثراً بالأزمات المعيشية، لكنهن أيضاً الأكثر قدرة على صياغة حلول عملية من القاعدة.
هذا البعد النسوي لا يثري التحليل فحسب، بل يكشف أن الوعي القومي الكوردي لم يكن يوماً وعياً ذكورياً خالصاً، بل كان نتيجة تضافر جهود كل مكونات المجتمع، وإن تفاوتت الأدوار والتأثير.
سابعاً: البعد الدولي والإقليمي.. القضية الكوردية في فضاء المصالح المتشابكة
غير أن التجربة الكوردية في سوريا لم تتشكل في عزلة عن البيئة الإقليمية والدولية. فمنذ بداية الأزمة السورية، أصبحت المنطقة مسرحاً لتداخل المصالح الخارجية:
· تركيا، التي ترى في أي كيان كوردي شمال سوريا تهديداً لأمنها القومي، كثفت عملياتها العسكرية وضغطت لإضعاف الإدارة الذاتية.
· الولايات المتحدة، التي تحالفت مع قسد في الحرب على داعش، قدمت دعماً عسكرياً واقتصادياً لكنها ظلت مترددة في تقديم دعم سياسي واضح لمشروع الحكم الذاتي.
· روسيا، التي لعبت دور الوسيط، استخدمت ورقة الكورد في مفاوضاتها مع النظام التركي، دون التزام طويل الأمد بمستقبل المنطقة.
· إيران، التي ترى في أي استقلال كوردي تهديداً لكيانها، مارست ضغوطاً عبر حلفائها في سوريا والعراق.
هذا التداخل الدولي جعل القضية الكوردية في سوريا رهينة للتوازنات الإقليمية، وأظهر أن أي مكسب يمكن أن يتبخر إذا تغيرت التحالفات الدولية. فالوعي الكوردي اليوم لا يصنعه الداخل فقط، بل تتشكل آفاقه أيضاً بحسابات القوى الكبرى.
ثامناً: المعيشة.. عندما يعيد الاقتصاد تشكيل الوعي
لا يبقى الوعي السياسي ثابتاً. فكما أسهم الحرمان في تشكيله، فإن الواقع الاقتصادي الراهن يعيد صياغته من جديد. فارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، وضعف الخدمات، دفعت كثيرين إلى طرح أسئلة جديدة تتعلق بالإدارة والاقتصاد ومستقبل المنطقة.
وهذا لا يعني تراجع الهوية القومية، بقدر ما يعكس انتقال المجتمع من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة البحث عن جودة الحياة. فالإنسان لا يعيش بالشعارات وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى العمل والتعليم والخدمات والأمل. ولهذا فإن أي مشروع سياسي، مهما كانت عدالة قضيته، يحتاج إلى نجاح اقتصادي يضمن استمراره وثقة الناس به.
تاسعاً: الهوية.. ليست مادة فقط ولا ثقافة فقط
قد يذهب بعض المفكرين إلى أن الواقع المادي هو الذي يصنع الوعي، بينما يرى آخرون أن الثقافة واللغة والتاريخ هي الأساس. لكن التجربة الكوردية في سوريا تكشف أن الحقيقة أكثر تعقيداً.
فالهوية القومية تشكلت من تفاعل عوامل متعددة:
· اللغة الكوردية التي حفظت الذاكرة.
· التاريخ المشترك الذي عزز الشعور بالانتماء.
· الثقافة والتراث الشعبي.
· التجربة اليومية مع التهميش والحرمان.
· العلاقة بالأرض والثروة والحقوق.
· التدخلات الخارجية التي أعادت تشكيل الأولويات.
وعندما اجتمعت هذه العناصر، وُلد وعي قومي أكثر رسوخاً واستقلالاً، لكنه في الوقت نفسه أكثر تعقيداً وتشابكاً مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
عاشراً: ماذا تعلمنا التجربة؟
يمكن استخلاص أربع حقائق رئيسية:
أولاً: لا يمكن فصل العدالة الاقتصادية عن العدالة السياسية، لأن الشعوب التي تُحرم من مواردها تشعر بأن حقوقها منقوصة.
ثانياً: الاعتراف بالهوية لا يكتمل دون تنمية حقيقية، فالثقافة تحتاج إلى اقتصاد يحميها، كما يحتاج الاقتصاد إلى استقرار سياسي.
ثالثاً: بناء المستقبل لا يكون بإدارة الصراع فقط، بل ببناء مؤسسات قادرة على تحويل الموارد إلى تنمية، والحقوق إلى واقع ملموس.
رابعاً: القضية الكوردية في سوريا ليست محلية فقط، بل هي جزء من صراع إقليمي ودولي أوسع، مما يتطلب وعياً يدرك تعقيدات المشهد ورهاناته.
حادي عشر: مقارنة مع تجارب أخرى
وما حدث في كوردستان سوريا ليس فريداً من نوعه، بل هو جزء من نمط تاريخي يتكرر مع أقليات وشعوب مضطهدة في أماكن مختلفة:
· في فلسطين، شكلت سياسات الاستيطان والمصادرة وعياً وطنياً فلسطينياً تجاوز الخلافات الداخلية.
· في جنوب إفريقيا، أدى نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) إلى تشكل وعي جمعي مقاوم تجاوز الانقسامات القبلية والعرقية.
· في كوردستان العراق، أدى التجريد من الحقوق وإبادة الأنفال إلى وعي قومي أعاد تشكيل الهوية السياسية للكورد بعد 2003.
هذه التجارب، رغم اختلاف سياقاتها، تشير إلى قاعدة واحدة: الحرمان المشترك يخلق وعياً مشتركاً، والعدالة الاقتصادية والسياسية هي المفتاح لتحويل هذا الوعي إلى مشروع وطني مستدام.
وفي المقابل، نجد أن التجارب التي فشلت في تحويل الوعي إلى مؤسسات، أو التي لم تستطع تقديم حلول معيشية، غالباً ما انهارت أو تفككت.
خاتمة: الإنسان يبني الوطن.. حين يشعر أنه شريك فيه
إن التجربة الكوردية في سوريا تؤكد أن الهوية ليست شعاراً سياسياً، ولا مجرد إرث ثقافي، بل هي علاقة يومية بين الإنسان ووطنه.
فحين يشعر المواطن أن أرضه مصونة، وحقوقه محترمة، وثرواته تُدار بعدالة، ومستقبله لا تحدده قرارات الإقصاء، يتحول الوعي من رد فعل على الظلم إلى مشروع لبناء الدولة.
ولهذا، فإن مستقبل سوريا لن يُبنى بالإنكار أو بالتهميش، بل بعقد اجتماعي جديد يعترف بالتعددية، ويحقق العدالة في توزيع الثروة، ويضمن الحقوق الدستورية لجميع مكوناتها.
فالهوية لا تنمو في ظل الحرمان، والكرامة لا تزدهر إلا حين يلتقي الاعتراف بالإنسان مع العدالة في الأرض والحقوق. وعندها فقط، يصبح الإنسان قادراً على بناء وطنه، لأنه يشعر أخيراً أنه شريك فيه.