الباحث الاقتصادي والحقوقي: رهنج باراوی
هذا المقال مقارنة واقعية بين الأزمات الاقتصادية في إقليم كوردستان والوضع الاجتماعي والمعيشي في جمهورية مصر العربية، بهدف تشخيص الأسباب الحقيقية للأزمات لتوضيح أن المشكلة الرئيسية في كوردستان ليست في شح الثروة أو الإيرادات، بل في القصور وغياب التخطيط الإستراتيجي للإدارة. في المقابل، نجحت مصر، رغم محدودية مواردها وكثافتها السكانية الهائلة، في إحداث توازن بنيوي في البنية التحتية والخدمات العامة.
أود التحذير من أن تدهور الوضع الاقتصادي وغياب العدالة الاجتماعية يؤديان مباشرة إلى تآكل الثقة، وانتشار الجريمة، وظهور “خلايا الجريمة النائمة” داخل المجتمع؛ ولهذا السبب، فإن الإصلاح العاجل واعتماد خطط إستراتيجية في الإدارة بات أمراً حتمياً لا يحتمل التأجيل.
يُعد الاقتصاد الركيزة الأساسية والعمود الفقري لاستقرار أي دولة ومجتمع. فحين يتعرض الوضع الاقتصادي لانتكاسة وهزات طويلة الأمد، لا يقتصر الضرر على الأرقام والعجز في الموازنة فحسب، بل يمتد ليطال مباشرة كافة مفاصل الحياة، والقيم الإنسانية، والأمن النفسي والاجتماعي. ففي إقليم كوردستان، ما الذي تخلقه استمرارية الأزمات الناجمة عن الصراعات السياسية والحزبية، واحتكار الرأسمالية، وغياب الاحتياطي الإستراتيجي للمراحل الطارئة على الصعد الاقتصادية والمالية والإدارية، فضلاً عن القصور في توفير الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والوقود؟ بلا شك، يولد هذا واقعاً نفسياً واقتصادياً معقداً ينعكس سلباً على الإنتاج المحلي، وتنمية الإيرادات، والقطاعات الاقتصادية، وحركة الاستيراد والتصدير في البلاد.
إن غياب خطة مالية وإدارية محكمة في أوقات الأزمات يؤدي إلى شلل الإنتاج المحلي وإحداث خلل في الميزان التجاري بين الاستيراد والتصدير. فالاعتماد المطلق على الخارج وتجاهل قطاع الإنتاج المحلي يضعان البلاد في حالة شلل تام عند انقطاع مصادر الدخل. كما أن تعطل المفاصل الاقتصادية يفضي إلى تقلص فرص العمل، وتفاقم البطالة، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين.
يؤدي هذا الوضع حتماً إلى زعزعة الأمن النفسي للفرد؛ فحيناً يعجز المواطن عن تأمين لقمة عيش أسرته، تتداعى ثقته بالمؤسسات وينزلق المجتمع نحو التفكك. تدفع حالة الجوع والعوز الإنسان مرغماً للجوء إلى السرقة والاحتيال والأعمال غير القانونية لتأمين معيشته اليومية، بينما تصبح ظاهرة التهرب الضريبي والتخلي عن واجب المواطنة سلوكاً شائعاً. في ظل هذه البيئة الاقتصادية المضطربة، تتعرض أخلاقيات العمل والإدارة للمساءلة؛ فتزدهر جرائم الرشوة، وخيانة الأمانة، والاستحواذ على المال العام، والأعمال الإرهابية، والسرقة، والخيانة الوطنية. ولعل الجانب الأكثر خطورة في هذه المعادلة يكمن في أن الفساد وغياب الاقتصاد المستقر يمهدان الطريق لبروز “خلايا الجريمة النائمة” داخل مؤسسات الدولة، إذ يسهل استغلال النفوس الجائعة والضعيفة لتنفيذ أجندات تخريبية مقابل المال.
ولفهم أعمق لهذه المعادلة، يمكننا قراءة المؤشرات الاقتصادية ومعدلات دخل الفرد: ففي جمهورية مصر العربية، وبسبب ضخامة التعداد السكاني الذي يتجاوز المائة مليون نسمة، يتراوح متوسط دخل الفرد السنوي قلیل جدا ٫ ما يعادل تقريباً( ٢٥٠إلى ٣٠٠) دولار شهرياً، حيث تعيش الشريحة الأكبر من الفقراء تحت خط الفقر المدقع. في المقابل، تُعد العراق وإقليم كوردستان منطقة غنية بالنفط، ويقترب متوسط دخل الفرد السنوي فيها من (٤٥٠٠ إلى ٥٠٠٠) دولار أو أكثر؛ بيد أن المشكلة الكبرى في العراق تكمن في غياب العدالة في توزيع الثروة، مما أدى رغم وفرة الإيرادات العامة إلى معاناة قطاع واسع من المواطنين من شح فرص العمل وانعدام العدالة. وفي مصر، يُعد “الدخل السلبي” والعيش في دوامة المديونية المستمرة ظاهرة مألوفة، لدرجة أن دخل الأسرة الشهري لا يكفي حتى لنصف الشهر، مما يضطرها للاقتراض وشراء السلع بالتقسيط. أما في العراق وكوردستان، وعلى الرغم من ارتفاع متوسط الدخل، فإن أزمة الرواتب، وتأخر صرفها، والاعتماد المطلق للأسر على الراتب الحكومي، تجعل تأخر الرواتب لأيام معدودة يدفع بالعائلات مباشرة إلى دائرة الاستدانة من المحال والأسواق.
على الرغم من قسوة المعيشة والفقر في الأحياء الشعبية بالقاهرة، تسعى الحكومة المصرية جاهدة لتخفيف أعباء الخدمات العامة من خلال البنية التحتية (شبكة الطرق الواسعة، المترو، القطارات، وتأمين التيار الكهربائي الوطني بانقطاعات أقل نسبياً). وعلى العكس تماماً يحدث في العراق وكوردستان؛ فالمال والثروة متوفران، لكن الرفاه الاقتصادي للمواطن يتراجع بفعل غياب التيار الكهربائي الوطني المستقر، وعدم الاستقرار السياسي، وتردي البيئة، وغياب التخطيط الحكومي الإستراتيجي، ليجد المواطن نفسه مضطراً لتخصيص جُجل دخله لتغطية كلف مولدات الكهرباء والعلاج الطبي الأهلي.
تجربتي المعيشية في مصر:
من خلال احتكاكي الحقيقي والمباشر لعدة سنوات بمختلف شرائح المجتمع المصري في الأحياء الفقيرة بالعاصمة القاهرة، لمست كيف أوقع الفقر والعوز وعدم القدرة المادية الكثيرين في فخ الجريمة. وما لاحظته وتأكدت منه هو أن الخداع، والكذب، والسرقة نشأت نتيجة الجوع والعجز اللذين ضيقا الخناق على غالبية المدن والأحياء الفقيرة في القاهرة، حتى بات سعي الجميع منصباً على الاحتيال على السياح والأجانب المقيمين، لدرجة أصبحتع معها ظاهرة يصعب فيها تمييز المواطن السوي من غيره، نظراً لجوعهم ومعاناتهم في تأمين وجباتهم الأساسية بشق الأنفس.
خلال إقامتي في مصر، رأيت الرئيس( محمد عبد الفتاح السيسي) رداً على عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي جالساً وأمامه الكاميرات، ليقول بكل ثقة وابتسامة: “لمن أبني الجسور والطرق؟ ولمن هذه القصور الرئاسية في المدن الكبرى؟ إنها جميعاً لشعب مصر وليست لي، إنها للأجيال الحالية والقادمة”. لقد أثار دهشتي حقاً حين رأيت في الأسواق الشعبية الكبرى إقبالاً شديداً على أقدام ورؤوس الدواجن وعظام الحيوانات الكبيرة، لعدم قدرتهم على توفير غيرها لوجباتهم بسبب قسوة العوز. ومع ذلك، فإن أصحاب الدخول المحدودة كالموظفين لم تكن رواتبهم تتأخر ليوم واحد، بل كانت تصرف في مواعيدها وبحسب السنة المالية، بغض النظر عن ضآلتها أو كفايتها، ناهيك عن صرف المكافآت (البدلات) واحتساب ساعات العمل الإضافية.
على الرغم من الكثافة السكانية العالية، فإن المحافظات والمدن التي وصلت إليها خدمات الكهرباء لم تكن تشهد انقطاعات متكررة، مع العمل بنظام الكروت الذكية للكهرباء بحسب استهلاك المشترك. وقد حظيت الطرق باهتمام بالغ، وكانت القطارات والمترو من أبرز معالم النقل الحديثة في القاهرة والإسكندرية ومحافظات الصعيد. أما الطبقات محدودة الدخل، فكانت تتسلم حصصها اليومية من الخبز من الأفران كالتموين، برغم رداءة جودة الدقيق والخبز التي تجعل تناوله اضطرارياً. وكانت وجباتهم الرئيسية تقتصر على الفول، والطعمية، والباذنجان المخلل، والبطاطس، والكشري، والجبن، والمكرونة؛ وهي وجبات قد تبدو بسيطة جداً بمعايير العراق وكوردستان، حيث ما تضعه أسرة مصرية فقيرة على مائدتها قد يكفي لاكتفاء فردين عندنا. وفي المقابل، عانى الكثيرون من أمراض الكبد الفيروسي نتيجة تلوث مياه الشرب والغبار والنفايات المتراكمة في الأحياء ومحطات النقل، وكان الناس يعتريهم التعب والإجهاد، لكنهم عزوا أنفسهم بغياب الحروب والفتن والصراعات النفسية في نشرات أخبارهم.
بشكل عام، كانت الحياة في مصر إما بمستوى رفاهية مرتفع (High Life) وإاما تحت خط الفقر. وقد ارتفعت معدلات الجريمة في البلاد وأفرزت نتائج خطيرة بسبب الوضع الاقتصادي، إلا أن سيادة القانون كانت حاضرة في محاكمة المجرمين ومعاقبتهم داخل المحاكم. فضلاً عن ذلك، انتشر تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية (مثل الحشيش) بشكل صعب السيطرة عليه، في ظل اقتصاد اتسم بضعف الإنتاج نتيجة الهيمنة العسكرية والبيروقراطية. وعلى الرغم من ترسخ مفهوم المواطنة في الدستور ووجود قطاع واسع من المواطنين الملتزمين بالقانون، إلا أن الفقر والعوز لدى الأغلبية غير التوازن وبات الشعب جائعاً في مجمله.وانا اوجه لسؤال للجمیع نحن في مصر ام اقلیم كوردستان ؟
مقارنة حول قلة الموارد:
إذا أجرينا مقارنة بين جمهورية مصر العربية وإقليم كوردستان، سنجد أن الحياة هنا مترفة، وأننا نعيش في وضع أفضل بكثير رغم الأزمات. لكن السؤال هنا: هل تتطابق مواردنا الطبيعية وموقعنا الجغرافي مع مصر؟
بالتأكيد لا؛ فمصر أرض صحراوية ذات موارد شحيحة وتعداد سكاني يناهز المائة مليون، بينما يمتلك إقليم كوردستان ثروات طبيعية هائلة، وأرضاً خصبة، وعدد سكان قليلاً نسبياً. إذن، فإن وجود هذه الأزمات في كوردستان لا يعد مؤشراً على شح الثروة، بل يعكس أزمة إدارة وغياباً للتخطيط الإستراتيجي، تعود جذوره إلى الانقسام السياسي واحتكار الثروات الطبيعية واستئثار المسؤولين بها. وإذا لم تتم مراجعة الأوضاع بمنطق العدالة، فسنتحول حتماً لنتأقلم مع عيش يشبه واقع المجتمع المصري تحت خط الفقر.
المصادر والمراجع:
1. مجموعة البنك الدولي (World Bank Group)، تقرير (Arab Republic of Egypt: Systematic Country Diagnostic)، بيانات دخل الفرد والفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، للسنوات (2022-2025).
2. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) في جمهورية مصر العربية، التقارير السنوية للأوضاع الاقتصادية للأسر، خطوط الفقر وإحصاءات الدخل في القاهرة ومحافظات صعيد مصر، نوفمبر 2024.
3. جامعة القاهرة، المركز القومي البحوث الاجتماعية والجنائية (NCSCR)، دراسة ميدانية حول ارتباط الفقر الحضري بتفشي الجريمة والمخدرات، القاهرة، 2023.
4. كلمات وتصريحات الرئيس المصري (عبد الفتاح السيسي) حول المشاريع القومية، الطرق والقصور الرئاسية، أثناء تفقد وافتتاح عدد من المشاريع القومية الإستراتيجية بالقاهرة، والتي نقلتها قناة النيل للأخبار (Nile TV / Extra News) ووسائل الإعلام الرسمية والفضائيات على الهواء مباشرة (Live) بتاريخ 24 كانون الأول/ديسمبر 2022 (خلال افتتاح مشاريع كبرى في محافظتي الجيزة والقاهرة).
5. الملاحظات الميدانية والمذكرات الشخصية للكاتب خلال زياراته وإقامته الفعلية في جمهورية مصر العربية في الأعوام بين 2018 و2020.