من كوردســــتان… تُعاد كتابة المعادلات

شــــريف علي

استقبال القائد مسعود بارزاني لأربعة من رؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية في هولير في يوم واحد لم يكن نشاطا بروتوكوليا عابرا، بل إشارة سياسية واضحة إلى أن الإقليم بات في موقع متقدم داخل خارطة الاهتمام الدولي . حضور بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وكوريا الجنوبية في توقيت واحد يعكس أن القيادة الكوردستانية أصبحت نقطة جذب دبلوماسية، وأن هولير تثبت نفسها بوصفها مساحة مستقرة وفاعلة في منطقة تتغير توازناتها بسرعة.
اللقاء مع القنصل العام البريطاني أكد أن لندن ما زالت ترى في الإقليم شريكا موثوقا في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والطاقة، وأن التواصل مع الرئيس بارزاني ضرورة لفهم اتجاهات المرحلة المقبلة في العراق والمنطقة.
القنصل العام الكوري الجنوبي قدم مقاربة ذات طابع إنساني وتنموي، حين ربط بين صمود الشعبين الكوري والكوردي، مشيرا إلى أن سيوول تنظر إلى الإقليم كقصة نجاح قابلة للبناء عليها، وهي مستعدة لتوسيع التعاون في التربية والصحة، وجوانب أخرى في البنية التحتية التي تصنع الاستقرار طويل الأمد ، واللقاء التوديعي مع القنصل العام الفرنسي حمل دلالة إضافية، ففرنسا التي كانت دائما حاضرة في الملف الكوردي تؤكد أن علاقتها مع الإقليم علاقة مؤسسات لا أفراد، وأن دعمها جزء من رؤيتها لدورها في الشرق الأوسط .
أما القنصل العام الإيطالي فأعاد التذكير بزيارة الرئيس بارزاني إلى روما والفاتيكان وبالعلاقات التاريخية بين الطرفين، في إشارة إلى رغبة إيطاليا في تعميق حضورها السياسي والاقتصادي داخل الإقليم، خصوصا في ظل التحولات الإقليمية التي تجعل من كوردستان نقطة توازن مهمة .
لكن لماذا تتقاطع هذه الدول في هولير الآن؟
الشرق الأوسط يعاد تشكيله على وقع صراعات النفوذ وتراجع الاستقرار في مناطق كانت تقليديا مراكز جذب دبلوماسي. الدول الكبرى تبحث عن شركاء موثوقين ومناطق مستقرة يمكن الاعتماد عليها في ملفات الأمن والطاقة والتنمية. في هذا السياق، يظهر الإقليم بوصفه مساحة آمنة وقيادة قادرة على إدارة التوازنات دون الانخراط في محاور متصارعة، ما يجعله خيارا مفضلا في لحظة إقليمية مضطربة .
من هنا يبدأ الانتقال إلى البعد العراقي الداخلي، فالحضور الدولي المكثف في هولير يحمل رسائل واضحة لبغداد. الإقليم لم يعد ينظر إليه كطرف هامشي، بل كعنصر أساسي في معادلة الاستقرار السياسي. الملفات العالقة بين هولير وبغداد – من النفط إلى الرواتب والحدود والبيشمركة – لم تعد شؤونًا محلية، بل أصبحت جزءًا من شبكة مصالح دولية ترى في استقرار الإقليم شرطا لاستقرار العراق نفسه . وهذا يمنح القيادة الكوردستانية قوة تفاوضية أكبر، ويضعها في موقع مؤثر داخل المعادلة السياسية الجديدة التي تتشكل في بغداد.
هذه اللقاءات تكشف أن هولير لم تعد مدينة محلية، بل مركزًا دبلوماسيا عالميا نشطا، وأن الرئيس بارزاني أصبح بوابة لفهم المشهد العراقي والإقليمي بالنسبة لدول تبحث عن شركاء موثوقين في منطقة مضطربة . كما تعكس أن الإقليم نجح في بناء شبكة علاقات تمتد من أوروبا إلى آسيا، ما يمنحه قدرة أكبر على المناورة السياسية وحماية مصالحه في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية .
وفي الجغرافيا التي قاومت كل محاولات الإقصاء، تعاد اليوم كتابة السياسة من جديد، وما جرى في هولير ليس يوما دبلوماسيا مزدحما فحسب، بل لحظة تتشكل بهدوء، يتقدم فيها الإقليم نحو دور أكثر استقلالية وتأثيرا، مستندا إلى شبكة علاقات دولية واسعة وإلى قيادة تمتلك خبرة طويلة في إدارة التوازنات . لحظة قد تجعل من كوردستان مركزا سياسيا إقليميا لا يقاس بحجمه الجغرافي، بل بقدرته على أن يكون نقطة التقاء بين مصالح دولية متشابكة، وصوتا يعيد رسم معادلات الشرق الأوسط لا بوصفه مساحة جغرافية فحسب، بل بوصفه إرادة سياسية تصر على صنع مكانها رغم كل محاولات الإقصاء .

قد يعجبك ايضا