حين يحترق جبل گويزة… هل نحرق مستقبل كردستان بأيدينا؟!

عطا شميراني

لم يكن احتراق جبل گويزة مجرد حادث بيئي عابر، ولا خبرًا يصلح لدقائق على شاشات الأخبار ثم يختفي مع دورة الأخبار التالية. ما حدث هو جرس إنذار حقيقي، ورسالة قاسية تقول إن الطبيعة في كردستان أصبحت أكثر هشاشة، وإن ثروتنا البيئية لم تعد محصنة كما نظن. فالجبل الذي احترق ليس مجرد مساحة من الأشجار والأعشاب، بل جزء من ذاكرة المكان، ومن هوية كردستان، ومن الرئة التي تتنفس منها مدننا، ومن الإرث الذي يفترض أن نورثه للأجيال القادمة.

لطالما كانت جبال كردستان أكثر من مجرد تضاريس جغرافية. كانت عبر التاريخ ملاذًا للإنسان الكردي، وشاهدًا على نضاله، وحافظةً لذاكرته الجماعية. في سفوحها عاشت القرى، ومن ينابيعها شرب الناس، وبين غاباتها حافظت الطبيعة على توازنها عبر مئات السنين. ولهذا فإن احتراق جبل واحد لا يعني فقط خسارة آلاف الأشجار، بل يعني فقدان جزء من التاريخ الطبيعي والثقافي الذي لا يمكن تعويضه بسهولة.

حتى الآن، لا توجد نتائج رسمية تؤكد أسباب الحريق. وقد يكون ناجمًا عن موجة حر شديدة، أو عن إهمال بشري، أو عن خطأ غير مقصود، كما يتداول بعض المواطنين احتمال أن يكون عملًا متعمدًا. لكن أيًا كان السبب، فإن المسؤولية تقتضي إجراء تحقيق مهني وشفاف، وإعلان نتائجه للرأي العام، لأن الشفافية وحدها هي التي تمنع انتشار الشائعات وتعيد ثقة المواطنين بالمؤسسات!

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بسبب الحريق، بل بما إذا كنا مستعدين لمنع تكراره. فالكوارث الطبيعية قد تقع في أي مكان من العالم، لكن الدول تُقاس بقدرتها على الوقاية والاستجابة، لا بعدد الحرائق التي تندلع فيها. وإذا كان الإهمال هو السبب، فهذه إشارة إلى وجود خلل في منظومة الحماية البيئية، سواء في الرقابة، أو في سرعة الاستجابة، أو في الإمكانات المخصصة لمكافحة حرائق الغابات!

أما إذا أثبت التحقيق وجود عمل تخريبي، فإن القضية تصبح أخطر بكثير، لأنها تتحول من حادث بيئي إلى اعتداء على ثروة عامة، وعلى الأمن البيئي لكردستان. فالبيئة ليست ملكًا لجيل واحد، ولا لحكومة أو مؤسسة، بل هي حق مشترك لجميع المواطنين، وحق للأجيال القادمة التي لم تولد بعد.

لقد أدركت دول كثيرة أن البيئة أصبحت جزءًا من مفهوم الأمن القومي. فالغابات لم تعد مجرد أماكن للتنزه، بل هي عنصر أساسي في مواجهة التغير المناخي، وحماية مصادر المياه، ومنع التصحر، والحفاظ على التنوع الحيوي. ولذلك تستثمر الدول المتقدمة مليارات الدولارات في أنظمة الإنذار المبكر، والطائرات المخصصة لإطفاء الحرائق، والمراقبة الجوية، والأقمار الصناعية، والتدريب المستمر لفرق الإنقاذ، لأنها تعلم أن حماية شجرة اليوم أقل كلفة بكثير من محاولة تعويض غابة غدًا.

أما في منطقتنا، فما زلنا غالبًا نتحرك بعد وقوع الكارثة. تنتشر النيران أولًا، ثم تبدأ محاولات السيطرة عليها، وبعد انتهاء الحريق تبدأ لجان التحقيق، ثم تُنسى القضية مع مرور الأيام، إلى أن يتكرر المشهد في الصيف التالي. هذه الحلقة المتكررة لا تعكس ضعف الإمكانات فقط، بل تكشف أيضًا غياب رؤية استراتيجية لإدارة الثروة البيئية!

إن حماية جبال كردستان ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية. فالمواطن الذي يلقي عقب سيجارة في منطقة جافة، أو يشعل نارًا دون احتياطات، أو يقطع الأشجار بصورة غير قانونية، يشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تعريض البيئة للخطر. كما أن وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية مطالبة بتعزيز ثقافة احترام الطبيعة، لأن الوقاية تبدأ من الوعي قبل أن تبدأ من سيارات الإطفاء.

ومن الضروري أيضًا أن تتحول حماية البيئة إلى أولوية في السياسات العامة. فلا بد من إنشاء شبكة متطورة لمراقبة الغابات، وتزويد فرق الدفاع المدني بالمعدات الحديثة، واستخدام الطائرات المسيّرة في المراقبة، وتخصيص ميزانيات مستقلة لحماية الغطاء النباتي، وتشديد العقوبات على كل من يثبت تورطه في الإهمال أو التخريب. فالغابة التي تحترق في ساعات تحتاج إلى عقود طويلة حتى تستعيد حياتها.

إن احتراق جبل گويزة يجب ألا يُقرأ بوصفه حادثًا منفصلًا، بل باعتباره مؤشرًا على تحدٍ أكبر يواجه كردستان في ظل التغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الضغوط البشرية على البيئة. وإذا لم نتحرك اليوم، فقد نجد أنفسنا بعد سنوات أمام جبال أقل خضرة، وينابيع أقل غزارة، وهواء أقل نقاءً.

إن الحضارات لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور ومبانٍ، بل أيضًا بما تحافظ عليه من غابات وأنهار وجبال. فالإنسان يستطيع أن يعيد بناء مدينة دمرتها الحرب، لكنه يحتاج عشرات السنين ليعيد إلى الطبيعة ما فقدته في ساعات قليلة.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرقنا جميعًا: كم جبلًا آخر يجب أن يحترق حتى ندرك أن حماية البيئة ليست ملفًا ثانويًا، بل قضية وجود؟ فالشعوب التي تفقد غاباتها لا تخسر أشجارًا فقط، بل تخسر جزءًا من ذاكرتها، ومن جمالها، ومن قدرتها على الحياة!

إن جبل گويزة اليوم ليس مجرد جبل احترق، بل رسالة تحذير إلى الجميع. فإذا تجاهلناها، فإن النار لن تلتهم الأشجار وحدها، بل ستلتهم شيئًا من روح كردستان نفسها. والتاريخ يعلمنا أن الأمم التي لا تحسن حماية أرضها، لا تستطيع أن تحمي مستقبلها. فالأرض ليست ميراثًا ورثناه عن آبائنا، بل أمانة استعرناها من أبنائنا، وسيأتي يوم يسألوننا فيه: ماذا فعلتم بالجبال التي كانت خضراء؟ يومها لن تكون الأعذار قادرة على إعادة شجرة واحدة إلى الحياة!

قد يعجبك ايضا