احمد كوران
قراءة في مسار التحول من المقاومة إلى بناء المؤسسات في إقليم كوردستان
تُعد تجربة إقليم كوردستان واحدة من أبرز التجارب السياسية في المنطقة التي شهدت انتقالًا تدريجيًا من مرحلة الكفاح المسلح إلى مرحلة بناء المؤسسات وترسيخ الممارسة الديمقراطية وقد فرض هذا التحول ظهور نماذج قيادية استطاعت توظيف الخبرة النضالية في خدمة العمل المؤسسي والإداري، بما يعكس قدرة الحركات التحررية على إعادة إنتاج كوادرها بما يتناسب مع متطلبات الدولة الحديثة.
وفي هذا السياق، يبرز الأستاذ خسرو گوران بوصفه نموذجاً يجسد هذا التحول ، إذ انتقلت مسيرته من ساحات النضال في الجبال إلى ميادين الإدارة والتنظيم السياسي، حتى أصبح من الشخصيات التي ارتبط اسمها بإدارة الاستحقاقات الانتخابية والعمل المؤسسي في إقليم كوردستان. بوصفه نموذجًا لتحول المقاتل إلى الإداري، ثم إلى رجل الدولة، باعتباره انعكاساً لتجربة جيل كامل أسهم في الانتقال من شرعية المقاومة إلى شرعية المؤسسات.
أولاً : الجبال مدرسة للقيادة والانضباط
لم تكن سنوات النضال في الجبال مجرد مرحلة عسكرية، بل مثلت مدرسة متكاملة في بناء الشخصية وصقل القدرات القيادية. ففي بيئة اتسمت بصعوبة الظروف وتعقيد التحديات، تشكلت لدى خسرو گوران منظومة من القيم التي أصبحت لاحقًا أساساً لأدائه السياسي والإداري.
وقد أسهمت هذه المرحلة في ترسيخ عدد من المبادئ الجوهرية، من أبرزها الانضباط والالتزام والإيمان بأن حماية الوطن لا تتحقق بالشعارات وإنما بالاستعداد للتضحية وتحمل المسؤولية. كما عززت ثقافة العمل الجماعي، إذ أصبح التعاون والثقة المتبادلة بين رفاق النضال أساساً لإنجاز المهام وتحقيق الأهداف.
ومن ناحية أخرى، أفرزت تجربة النضال وعياً عميقاً بقيمة الأمن والاستقرار ، فمن عاش مرارة الصراع يدرك أكثر من غيره أن الاستقرار السياسي والاجتماعي ليس أمراً مسلماً به، بل ثمرة تضحيات طويلة تستوجب المحافظة عليها. لذلك لم تكن مرحلة الجبال نهاية لمسيرة النضال وإنما شكلت البنية القيمية التي استند إليها في جميع مسؤولياته اللاحقة.
ثانياً : من البندقية إلى صندوق الاقتراع… التحول نحو العمل المؤسسي
مع التحولات السياسية التي شهدها العراق وإقليم كوردستان بعد عام 2003، انتقلت الأولويات من إدارة الصراع إلى بناء المؤسسات وترسيخ الممارسة الديمقراطية وفي هذا السياق، انتقل خسرو گوران من العمل العسكري إلى العمل المدني، موظفاً خبراته القيادية والتنظيمية في خدمة العملية السياسية.
ومن هنا برز وصفه بـ”مهندس الانتخابات” وهو وصف يعكس طبيعة الدور الذي أداه في تنظيم وإدارة الاستحقاقات الانتخابية أكثر مما يعبر عن توصيف مجازي. فالانتخابات في البيئات الانتقالية تمثل اختباراً لقدرة المؤسسات على إدارة التنافس السياسي بصورة سلمية وتتطلب مستوى عالياً من التخطيط والتنظيم والإدارة.
وقد تجلت عملية نقل الخبرات من الميدان العسكري إلى الميدان المدني في عدة جوانب، أبرزها:
* توظيف مهارات التخطيط الاستراتيجي في إدارة الحملات والفرق الميدانية.
* تحويل القدرة على قراءة تضاريس الميدان العسكري إلى قراءة دقيقة للخريطة الانتخابية واتجاهات الرأي العام.
* ترسيخ ثقافة العمل الجماعي، انطلاقًا من الإيمان بأن النجاح الانتخابي، كما النجاح العسكري هو ثمرة جهد منظم وتنسيق مؤسسي.
وفي هذا الإطار، أسهم في الإشراف على عدد من الاستحقاقات الانتخابية المهمة، بما دعم المشاركة السياسية وعزز ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية ورسخ ثقافة الانتقال السلمي للسلطة.
ثالثاً : من المناضل إلى رجل الدولة
لم يقتصر دور خسرو گوران على إدارة الملفات السياسية أو الانتخابية، بل تطور ليعكس نموذجاً لرجل الدولة الذي يجمع بين الخبرة النضالية والكفاءة الإدارية والالتزام المجتمعي.
1. البعد السياسي: بناء جسر بين الأجيال :
نجح في الجمع بين إرث جيل النضال وتطلعات الأجيال الجديدة، فكان قادرًا على مخاطبة المقاتل الذي عاش سنوات الكفاح والشاب الذي نشأ في ظل المؤسسات بما أسهم في تعزيز التواصل بين الماضي والحاضر وربط الذاكرة الوطنية بمتطلبات المستقبل.
2. البعد الإداري: ترسيخ ثقافة المؤسسية :
انعكست قيم الانضباط والالتزام التي اكتسبها خلال سنوات النضال على أدائه الإداري، حيث اعتمد التخطيط والمتابعة والعمل المنظم أساساً في إدارة المسؤوليات، بما أسهم في تحويل المبادئ العامة إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ وتعزيز ثقافة الأداء المؤسسي.
3. البعد الاجتماعي: القرب من المواطن :
رغم تنوع المسؤوليات التي تقلدها، حافظ على أسلوب قائم على التواصل المباشر مع المواطنين، الأمر الذي عزز الثقة بين المجتمع والمؤسسات ورسخ مفهوم أن المسؤولية العامة تقوم على الخدمة والاستماع إلى احتياجات الناس، لا على ممارسة السلطة بمعناها التقليدي.
رابعاً : مواقف تعكس فلسفة العمل العام :
يمكن قراءة فلسفة خسرو گوران السياسية والإدارية من خلال مجموعة من المبادئ التي تكررت في مواقفه وخطابه العام، ومن أبرزها:
أولًا: الوفاء للتاريخ والنضال فقد أكد باستمرار أن ما تحقق من مكتسبات هو ثمرة تضحيات الشهداء والبيشمركة وأن الحفاظ على هذه المنجزات يمثل مسؤولية أخلاقية ووطنية، بما يعكس رفضه لتحويل السياسة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية.
ثانيًا: تعزيز الوحدة الوطنية إذ دعا إلى خطاب جامع يقوم على التوافق والشراكة، انطلاقًا من قناعة بأن قوة المجتمع والمؤسسات تكمن في وحدتها وتماسكها، لا في الانقسام والإقصاء.
ثالثًا: التحول من منطق القوة إلى منطق الخدمة وهو مبدأ يلخص طبيعة الانتقال من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة الدفاع عن جودة الحياة، بحيث تصبح التنمية والخدمات وبناء المؤسسات، امتدادًا طبيعيًا للنضال الوطني.
تمثل تجربة الأستاذ خسرو گوران أكثر من مجرد سيرة شخصية فهي تعكس تجربة جيل كامل أسهم في نقل إقليم كوردستان من مرحلة المقاومة إلى مرحلة بناء المؤسسات وترسيخ الممارسة الديمقراطية.
ويبرز هذا المسار أهمية توظيف الخبرة النضالية في خدمة الدولة الحديثة، من خلال تحويل قيم الانضباط والتضحية والعمل الجماعي إلى أدوات للإدارة الرشيدة والعمل المؤسسي وتؤكد هذه التجربة أن نجاح عملية بناء الدولة لا يعتمد فقط على توفر المؤسسات والقوانين وإنما يرتبط ايضاً بوجود قيادات قادرة على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التنمية ومن ثقافة المقاومة إلى ثقافة الخدمة العامة وبهذا المعنى فإن مسيرة خسرو گوران تمثل نموذجاً دالاً على أن النضال الحقيقي لا ينتهي بانتهاء المواجهة، بل يستمر عبر بناء المؤسسات وترسيخ الديمقراطية وخدمة المواطن و المكتسبات الوطنية للأجيال القادمة .