الديموغرافيا في كردستان… ملف مؤجل أم خطر صامت؟

عطا شميراني

ليست المشكلة في قدوم العرب إلى كردستان، فنحن لسنا أعداءً للشعوب، ولم يكن الكرد يومًا دعاة كراهية أو إقصاء. لقد عُرفت كردستان عبر تاريخها بأنها أرض احتضنت المظلومين، وفتحت أبوابها لكل من فرّ من الحروب والإرهاب والاضطهاد. وهذه صفحة مشرقة من تاريخها، لا ينبغي إنكارها أو التنكر لها، لأنها تعكس القيم الإنسانية التي تربى عليها المجتمع الكردي.

لكن السياسة لا تُبنى على حسن النوايا وحده، كما أن الدول لا تُدار بالعاطفة وحدها. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في الإنسان الذي يبحث عن الأمن أو العمل أو حياة أفضل، وإنما تبدأ عندما يصبح الواقع الديموغرافي ملفًا بلا إدارة، وبلا قوانين، وبلا رؤية وطنية واضحة.

فكردستان ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي وطن شعب حافظ على لغته وهويته وثقافته رغم قرون من التقسيم والإنكار، ورغم سياسات التعريب والتتريك والتفريس التي استهدفت وجوده. ولهذا فإن حماية الهوية الكردستانية ليست خطابًا عاطفيًا أو شعارًا سياسيًا، بل قضية وجود تتعلق ببقاء شعب حافظ على شخصيته الوطنية وسط ظروف استثنائية لم يعرفها كثير من شعوب المنطقة.

والحديث عن الديموغرافيا لا ينبغي أن يُفهم على أنه دعوة إلى رفض الآخر أو نشر الكراهية. فجميع دول العالم، من أكبر الديمقراطيات إلى أصغرها، تمتلك قوانين تنظم الهجرة والإقامة والتجنيس والتملك، وتعتبر التوازن الديموغرافي جزءًا من أمنها القومي واستقرارها الاجتماعي. ولا ينظر أحد إلى هذه السياسات على أنها عنصرية، بل على أنها حق سيادي تمارسه كل دولة لحماية مستقبلها.

أما في كردستان، فكثيرًا ما يتحول أي نقاش حول التغيير الديموغرافي إلى جدل عاطفي. فهناك من يرفض مجرد إثارة الموضوع بحجة الانفتاح والتعايش، وهناك من يذهب إلى الطرف الآخر فيتعامل معه بلغة التخويف والمبالغة. وبين هذين الاتجاهين تضيع القضية الأساسية، وهي غياب سياسة سكانية واضحة، تستند إلى الدراسات والقانون والتخطيط، لا إلى ردود الأفعال.

السؤال الحقيقي ليس: من جاء إلى كردستان؟ فالهجرة ظاهرة عرفها التاريخ الإنساني منذ آلاف السنين، وستبقى جزءًا من حركة المجتمعات. السؤال الأهم هو: هل تمتلك كردستان رؤية لإدارة هذا الواقع؟

هل توجد استراتيجية تحدد احتياجات سوق العمل؟ وهل هناك سياسات واضحة تنظم الإقامة الدائمة، والاستثمار، وشراء الأراضي والعقارات؟ وهل تُجرى دراسات علمية ترصد التحولات الديموغرافية وانعكاساتها على التعليم واللغة والثقافة وسوق العمل والخدمات؟ أم أن هذه الملفات تُترك للظروف السياسية ولحركة السوق دون تخطيط طويل الأمد؟

إننا لسنا أعداء لأحد، لكن التاريخ يعلمنا أن غياب التخطيط قد يصنع أزمات لا يريدها أحد. فكثير من التحولات السياسية الكبرى في العالم لم تبدأ بالحروب أو الانقلابات، وإنما بدأت بتغيرات ديموغرافية هادئة، تراكمت عامًا بعد عام، حتى أصبحت حقائق جديدة فرضت نفسها على الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي.

ومن حق الكرد، أكثر من غيرهم، أن ينظروا إلى هذه القضية بعين المسؤولية، لأنهم كانوا ضحية مباشرة لسياسات التغيير الديموغرافي لعقود طويلة. فقد تعرضت مناطق كردية كثيرة إلى مشاريع هدفت إلى تغيير تركيبتها السكانية، وكانت نتائج تلك السياسات ما تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية للشعب الكردي. لذلك فإن إثارة هذا الملف لا ينبغي أن تُفسر على أنها موقف ضد العرب أو ضد أي قومية أخرى، وإنما هي دعوة إلى حماية التوازن المجتمعي، بما يحفظ حقوق الجميع ويصون خصوصية كردستان.

لقد دفع الكرد، عبر تاريخهم، أثمانًا باهظة بسبب تغليب العاطفة على التفكير الاستراتيجي. ودفعوا ثمن حسن النية، والتسامح، والثقة غير المحسوبة. واليوم، لم يعد من الحكمة أن تُدار القضايا المصيرية بالمنطق نفسه، لأن العالم تغير، وأصبحت الدول تبني سياساتها على البيانات والدراسات والتخطيط طويل الأمد، لا على الأمنيات وحدها.

وهنا تبرز حقيقة لا يجوز تجاهلها؛ فكردستان ليست دولة مستقلة كاملة السيادة، ولا تمتلك السيطرة الكاملة على حدودها أو سياساتها السكانية والهجرية كما هو الحال في الدول ذات السيادة الكاملة. وهي تعيش في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وتتأثر بصراعات سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز حدودها. وهذا يجعل أي تحول ديموغرافي أكثر حساسية، وأكثر ارتباطًا بالأمن والاستقرار ومستقبل الإقليم.

ومن هنا، فإن حماية هوية كردستان لا تعني إغلاق الأبواب في وجه الآخرين، ولا تعني رفض التعايش، بل تعني بناء مؤسسات قادرة على إدارة هذا الملف بعقل الدولة، ووضع قوانين تنظم الإقامة، والعمل، والتملك، والاستثمار، وفق رؤية استراتيجية تحقق التوازن بين الانفتاح وحماية المصلحة الوطنية.

إن الكرد لا يحتاجون إلى خطاب الكراهية، كما لا يحتاجون إلى خطاب السذاجة السياسية. ما يحتاجونه هو رؤية واقعية، تعترف بحق الإنسان في الحياة الكريمة، وفي الوقت نفسه تعترف بحق الشعوب في حماية هويتها ومستقبلها. فلا تعارض بين احترام الإنسان، وبين امتلاك سياسات سكانية واضحة تحفظ الاستقرار وتمنع الأزمات قبل وقوعها.

إن الأوطان لا تتغير بضجيج الحروب وحدها، بل قد تتغير أيضًا بصمت التحولات التي تتراكم عامًا بعد عام. ومن لا يقرأ الديموغرافيا اليوم بعين الدولة، قد يجد نفسه غدًا أمام واقع لم يصنعه، لكنه سيكون مضطرًا للتعايش معه. فالمشكلة ليست في القادمين، بل في غياب الرؤية، لأن الشعوب التي لا تخطط لمستقبلها، غالبًا ما تجد أن الآخرين هم من يرسمون هذا المستقبل عنها.

قد يعجبك ايضا