التآخي – ناهي العامري
عقد مركز الرجاء الثقافي، ندوة ثقافية اجتماعية بعنوان ( الحزن في الثقافة العراقية .. رحلة بين الألم والأمل) في مكتبة المركز/ كنيسة سانت جورج الانكليكانية – الصالحية – بغداد، قدم المحاضرة الاستاذ دولت موسى ابونا، بادارة الاستاذ هاني جورج قسطو، الذي قرأ سيرة الضيف الذاتية، وقال: انه ولادة بغداد، حاصل على شهادة دبلوم عالي في اللغة الانجليزية، عمل في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في تقديم برنامج ( النهر الثالث) الذي حاز على الجائزة الاولى في مهرجان موسكو الفني، ثم عمل في الصحافة، وتدرج فيها الى رئيس تحرير صحيفة بغداد أوبزرفر، وقد ترجم مقالات عديدة نشرت في مجلة التراث الشعبي وعراق اليوم، كما عمل مترجم في دار المأمون كذلك مترجم للكنيسة في بغداد، وهو عضوٍ نقابة الصحفيين منذ العام ١٩٨٠، يكتب حاليا في جريدة الموقف اليومية، كرم من قبل بيت الحكمة لدوره المتميز في اداء عمله.
استهل ابونا محاضرته بتقسيمها الى ستة محاور:
المحور الاول : مدخل الى مفهوم الحزن، موضحا ان الحزن عند العراقيين، يعني عنصرا من عناصر الأدب والموسيقى والطقوس الاجتماعية، نتيجة تراكمات تاريخية وحضارية امتدت لألآف السنين، فاصبح الحزن ليس بوصفه ضعفا، بل وسيلة للحفاظ على الذاكرة والهوية.
المحور الثاني: الجذور التاريخية للحزن، اي ان الحزن شعور انساني رافق سكان بلاد الرافدين منذ فجر التاريخ، فقد كشفت الألواح الطينية التي تركها السومريون والأكديون والبابليون والآشوريون عن نصوص كثيرة تتناول الفقدان والموت وقلق الانسان امام تقلبات الحياة، منها: المراثي السومرية ، رثاء كلكامش لصديقه انكيدو، فيضان دجلة والفرات وتغيرات المناخ، حيث تترك آثارا سلبية كتدمير الممتلكات واتلاف الحقول الزراعية.
المحور الثالث: البعد الديني .. الحزن بين الإيمان والرجاء، حيث لا يخلو دين من الحزن باعتباره تجربة روحية تقود الانسان الى النضج، فالحزن عند اليهودية استذكار للمآسي التأريخية في المناسبات الدينية، وعند المسيحية يحتل مكانة عميقة في التجربة الإيمانية، فقد اختبر السيد المسيح الحزن والبكاء على اورشليم ، كما عاش الام الصليب بكل أبعادها الانسانية.
اما الحزن في الاسلام، يعد شعورا انسانيا مشروعا، وتم ذكرة في مواضع عديدة في القرآن الكريم، فالنبي محمد (ص) لا يكتم دمعته ولا يخجل من حزنه، بل يعلنه ( ان العين لتدمع وان القلب ليحزن، ولا نقول الا ما يرضي ربنا)، واستشهاد الإمام الحسين (ع) لها انعكاسات واصداء واسعة، أثرت في الشخصية العراقية، ففي كل عام تقام مواكب المواساة تتضمن جميع وقائع ذلك اليوم الدامي.

المحور الرابع: الحزن والواقع العراقي المعاصر، لقد ابتلى العراقيون بسلسة حروب عبثية، ليست بالضرورة دفاعية، بل محارق افتعلها الحكام الطامعين، وظلت الحروب والأزمات تضغط على الإنسان العراقي نفسياً واقتصادياً واجتماعياً، حيث يعاني من الفقر والبطالة ويخاف من عدم الاستقرار.
المحور الخامس: هل الحزن نقطة ضعف ام مصدر قوة، يوضح ابونا ان الحزن شعور إنساني طبيعي، وليس ضعف أو قوة، فقد يتحول الحزن الى ضعف عندما يصل الى اليأس، وقد يتحول الى قوة، عندما يدفع الانسان الى مراجعة ذاته، والشخصية العراقية مثالا لذلك، فقد عاشت قرونا من الحروب والكوارث ، لكنها استطاعت ان تحافظ على روحها وقدرتها على النهوض، مما يؤكد ذلك ان الحزن لا يهزم الانسان.
المحور السادس: كيف نحافظ على الذاكرة من دون ان نصنع جيلا اسيرا للحزن؟ في هذا المحور يدعو موسى الجميع الى تحمل مسؤولية تعليم الاجيال ما مر به الوطن من مآسي، وان نحفظ ذاكرة الضحايا، في نفس الوقت يجب ان لا نورث لهم الخوف والحزن وحدهما، بل ايضا الصمود والتسامح واعادة البناء.
في خاتمة محاضرته فتح الباب امام المداخلات لتبادل الرؤى واضافة معلومات قيمة أغنت الموضوع وأثرت تفاعل الحضور.