الدكتور فالح مهدي… مشروع فكري يقرأ الدين بعين الأنثروبولوجيا

نبيل عبد الأمير الربيعي

في المشهد الثقافي العراقي والعربي، تبرز أسماء قليلة استطاعت أن تؤسس مشروعاً فكرياً متماسكاً، يتجاوز حدود التأليف إلى إعادة مساءلة المسلمات الكبرى في التاريخ والدين والمجتمع. ومن بين هذه الأسماء يأتي الباحث والمفكر العراقي الدكتور فالح مهدي، الذي كرس أكثر من خمسة عقود لدراسة الظاهرة الدينية بمنهج علمي يجمع بين الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتاريخ المقارن وفلسفة الأديان.
ولد الدكتور فالح مهدي في بغداد عام 1947، وتخرج في كلية القانون بجامعة بغداد سنة 1970، إلا أن اهتمامه الحقيقي انصرف مبكراً إلى دراسة الأديان وتاريخ الأفكار، مدفوعاً بشغف معرفي لفهم الإنسان بوصفه صانعاّ للثقافة والرموز والمعتقدات. وقد تُوّج هذا الاهتمام بكتابه المبكر (البحث عن منقذ: دراسة مقارنة بين ثماني ديانات)، الذي صدر عن دار ابن رشد في بيروت عام 1981، ثم أعادت دار مدبولي في القاهرة طبعه عام 1991، ولا يزال يحظى باهتمام الباحثين حتى اليوم.
لا يمكن النظر إلى مؤلفات فالح مهدي بوصفها كتباً مستقلة، بل هي حلقات في مشروع فكري واحد يسعى إلى تفكيك البنى الثقافية التي أنتجت الدين والسلطة والخوف والهوية. ولذلك فإن كل كتاب جديد يصدر له يمثل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية، لما يمتاز به من جرأة في الطرح، وصرامة في المنهج، واعتماد واسع على أحدث الدراسات الأنثروبولوجية والآثارية والتاريخية.

البحث عن منقذ دراسة مقارنة في ثماني ديانات تبحث في فكرة المخلّص، وكيف تشكلت هذه العقيدة عبر الحضارات المختلفة بوصفها استجابة لحاجة الإنسان إلى الخلاص.
أما أسس وآليات الدولة في الإسلام (بالفرنسية – 1991) يتناول العلاقة بين الدين والدولة في التجربة الإسلامية، ويحلل الأسس السياسية والتاريخية التي قامت عليها أنظمة الحكم الإسلامية.
فضلاً عن كتابه مقالة في السفالةقراءة فلسفية واجتماعية في انحدار القيم الإنسانية، وكيف تتحول السفالة إلى ظاهرة ثقافية وسياسية عندما تغيب المعايير الأخلاقية.
أنا كتابه نقد العقل الدائري: الخضوع السني والإحباط الشيعيمن أكثر كتبه إثارة للنقاش، إذ يحلل البنى الذهنية التي كرست الطاعة والخضوع في الثقافة الدينية، وتأثيرها في الواقع السياسي والاجتماعي.
إضافة إلى كتابع إستقراء ونقد الفكر الشيعي دراسة نقدية تتناول تطور الفكر الشيعي، وتناقش مرتكزاته العقدية والتاريخية بعيداًعن الخطابات الأيديولوجية.
هذا كما أن مؤلفه صلوات العالم رحلة مقارنة في الطقوس الدينية عبر الحضارات، تكشف التشابهات العميقة بين الممارسات التعبدية لدى الشعوب المختلفة.
كما صدر له مؤلف تحت عنوان: البحث عن جذور الإله الواحديحاول فيه تتبع نشوء فكرة التوحيد، مستعينًا بالأنثروبولوجيا وتاريخ الأديان، ليبين أن مفهوم الإله الواحد مر بمراحل طويلة من التطور.
أما كتاب تاريخ الخوف … يرى أن الخوف كان أحد أهم المحركات في بناء الأديان والسلطات، ويحلل حضوره في الثقافة والسياسة عبر التاريخ.
أما البؤس الأنثوي، يمثل قراءة في تاريخ اضطهاد المرأة داخل المنظومات الاجتماعية والدينية، وتحليل للجذور الثقافية التي كرست التمييز ضدها.
كما لا ننسى كتابه : تاريخ الجنة (بيت الياسمين – القاهرة، الطبعة الأولى 2025) ويُعد أحدث أعماله وأكثرها شمولًا، إذ يقدم دراسة أنثروبولوجية وتاريخية لمسار تشكل مفهوم الجنة في الوعي الإنساني، منذ بدايات الدين وحتى العصر الحديث.
ينطلق كتاب (تاريخ الجنة)… رحلة في نشأة الأمل, من سؤال جوهري: كيف ظهرت فكرة الجنة؟ وهل هي حقيقة تاريخية أم بناء رمزي صنعه الإنسان ليواجه قلق الموت؟
يرى د. فالح مهدي أن الدين نشأ استجابةً لأسئلة الإنسان الأولى حول الفناء، وأن الخوف من الموت كان الشرارة التي أطلقت التجربة الدينية، ثم جاء الأمل بوصفه الوجه الآخر للخوف، فتجسد في فكرة الجنة باعتبارها وعدًا بالخلاص والمكافأة.
ويستعرض المؤلف تطور مفهوم الجنة عبر الحضارات المصرية والرافدينية واليهودية والمسيحية والإسلامية، موضحًا أن صورة الجنة لم تكن ثابتة، بل تغيرت مع تغير البيئات والثقافات، وانتقلت من (البستان الأرضي) إلى (المدينة السماوية)، ثم إلى الطوباويات الحديثة التي وعدت الإنسان بفردوس أرضي عبر الأيديولوجيات أو المجتمع الاستهلاكي.
ويتميز الكتاب بمنهجه العابر للتخصصات؛ إذ يستعين بعلم الآثار، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والبيولوجيا التطورية، واللسانيات، والكوسمولوجيا، ليقدم تفسيرًا علميًا لتشكل المعتقدات الدينية بعيدًا عن القراءة اللاهوتية التقليدية.
تكمن أهمية مشروع الدكتور فالح مهدي في أنه لا يهاجم الدين ولا يدافع عنه، بل يدرسه بوصفه ظاهرة إنسانية وثقافية نشأت وتطورت عبر التاريخ. وهذا المنهج العلمي يجعل كتبه مراجع مهمة للباحثين في تاريخ الأديان والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع.
لقد أسهم فالح مهدي في نقل الدراسات العربية المتعلقة بالأديان من دائرة السرد والتكرار إلى فضاء البحث النقدي المقارن، مستندًا إلى أحدث المناهج العلمية، وهو ما منح مشروعه مكانة خاصة بين المفكرين العرب المعاصرين.
إن قراءة مؤلفات الدكتور فالح مهدي ليست رحلة في تاريخ الدين فحسب، بل هي رحلة في تاريخ الإنسان نفسه؛ في خوفه، وأمله، وأسئلته الكبرى، وسعيه الدائم إلى منح الوجود معنى. ولهذا يبقى مشروعه واحدًا من أكثر المشاريع الفكرية العراقية أصالة وجرأة، ويستحق اهتمامًا أكاديميًا وثقافيًا يليق بقيمته المعرفية.

قد يعجبك ايضا