دلزار اسماعيل رسول
الجزء الثامن
ساد الصمت الغامر، وكانت خطواته هادئة وهو يسير معها في ذلك الممر المحاذي لزرقة البحر، حيث تتكسر الأمواج بهدوء على الشاطئ وتداعب نسماته خصلات شعرها. اكتفى هو بابتسامة دافئة، بينما كانت ضحكاتها العذبة تملأ المكان بهجة ونشوة. التفت إليها وقال بصوت يملؤه الحنان:
— “كم أنا محظوظ بوجودكِ في حياتي.. في هذه اللحظة، وأمام هذا البحر الممتد، أتمنى لو نرقص معاً تحت هذه السماء.”
لم تجبه بكلمات، بل نظرت إليه مطولاً، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة. في تلك اللحظة الساحرة، تخيل نفسه يراقصها على وقع إيقاع الموج، خائفاً عليها من تعثرٍ صغير، فضم كفيها في خياله برفق شديد. انتبه على صوتها الرقيق وهي تقول بابتسامة مداعبة:
— “أنت مجنون..”
أجابها بكل ثقة وعينيه تلمعان:
— “أعلم ذلك، وجنوني بكِ هو أجمل ما أملك.”
قالتها بنبرة هادئة أربكته قليلاً، لكنه لم يتراجع. كان يعلم في قرارة نفسه أن هذه اللحظات كالبساط السحري الذي يحلق بهما بعيداً عن واقع الحياة الرتيب. شعر بنبضات قلبها تقترب مع حركة المد والجزر، فتابع قائلاً بلين:
— “أعرف أن مشاغل الحياة ومواعيدها تأخذنا كثيراً، وأني قد أقصر في وصالكِ أحياناً.. لكنكِ تعلمين أنكِ المستقر والملجأ، وهذا هو جوهر الحب.”
اتسعت عيناها بدهشة، ونظرت إليه بعمق كعمق البحر، ثم سألته بصوت هادئ يحمل نبرة التساؤل:
— “أهذا هو الحب حقاً؟”
اقترب منها أكثر، وتحدث بنبرة صريحة ممتزجة بالدفء:
— “نعم، طبعاً.. الحب هو هذا الشغف الذي يجعلنا نرى العالم بعيون مختلفة. انظري إلى يدينا كيف تتشابكان برقة، وكأن عروقنا قد امتزجت لتصبح نبضاً واحداً. تجربة واحدة صادقة معكِ كانت كافية لتختصر كل مسافات العمر.”
نظرت إلى كفيه، وقالت بخجل وهي تحاول إخفاء توترها:
— “لكن يديّ أتعبتهما الأيام.. وليستا بنعومة تليق بلمستك.”
فأمسك بيديها بحنو بالغ، وقبّلهما قائلاً:
— “وهل تظنين أنني أرى فيهما إلا الدفء والأمان؟ إن كل تفصيل فيكِ هو موطن راحتي.”
صمتت للحظات، وشعر هو برغبة عارمة في أن يزيل عنها أي قلق أو ضيق. التفتت إليه قائلة بنبرة عتاب رقيقة كالنسمة البحرية:
— “أشعر أحياناً أنك تدعي القوة، وتظهر بغير شخصيتك الحقيقية أمامي لتسعدني.. لست مضطراً لذلك.”
ابتسم بامتنان، واقترب خطوة إضافية ليتأكد من بقائها بجانبه، وقال وعيناه تفيضان بالصدق:
— “أنا معكِ أكون نفسي تماماً، بكل عفوية. إن كنتُ أتغير، فإني أتغير لأكون الرجل الذي يستحق قلبكِ النقي. لا تبتعدي، فخطواتي لن تعرف طريقاً سوى خطاكِ.”
لم تلتفت بغضب، ولم تتركه خلفها؛ بل أسندت رأسها على كتفه متأملة الأفق ….وعلم في داخله أن كل مشاعر الشوق التي كانت تغلي في صدره قد تحولت الآن إلى سلام مطلق؛ كهدوء البحر بعد العاصفة، لأنه قرر ألّا يتركها تمشي بمفردها أبداً….