الدکتور سامان سوراني
دکتۆراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا
في عالم السياسة الدولية المعاصرة، لم تعد قوة الكيانات السياسية ونهضة الشعوب تقاس بالشعارات الأيديولوجية الفضفاضة، بل بمدى قدرة الدولة على بناء بنية تحتية استراتيجية مستدامة تضمن استقرارها الداخلي وتلبي الاحتياجات الحيوية لمواطنيها كركيزة أساسية للأمن القومي.
ومن هذا المنظور الجيوسياسي، يبرهن رئيس حكومة إقليم كوردستان، السيد مسرور بارزاني، أن إعمار البنية التحتية يتجاوز كونه خططاً خدمية عابرة، ليصبح عقيدة حوكمة ورؤية تنموية شاملة تقودها الكابينة الوزارية التاسعة بثبات، ترتكز على فلسفة “الأمن المائي” بوصفه ركيزة لا غنى عنها لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وضمان الحقوق الأساسية للإنسان الكوردستاني. ويأتي الإعلان عن إنجاز مشروع ماء “بالندا – بارزان” الاستراتيجي بالكامل، كنموذج تطبيقي لـ “المرونة المؤسساتية” والنهج الإداري الحازم في مواجهة أعقد الصدمات الإقليمية والأزمات المركبة.
فهذا المشروع الذي وضع حجر أساسه عام 2013، عانى من تعثر طويل جراء تداخل متغيرات أمنية واقتصادية حادة، تمثلت في الحرب الضروس ضد تنظيم داعش الإرهابي، والضغوط الاقتصادية الماكرو-مالية، وتداعيات جائحة كورونا، حتى كاد أن يتحول إلى مشروع معطل لولا الرؤية الإنقاذية الحازمة لرئيس الحكومة مسرور بارزاني، الذي أصدر توجيهاته السيادية عام 2022 بإعادة إحياء المشروع وتفعيله كأولوية قصوى، تلتها متابعة ميدانية ودبلوماسية وثيقة من السيد ملا مصطفى مسعود بارزاني لتذليل الصعاب الجغرافية والفنية، محولاً الأزمات الجيوسياسية المحيطة إلى فرص حقيقية للبناء والتنمية.
إن القيمة الاستراتيجية لهذا المشروع تتعدى أبعاده الفنية لتصهر الرؤية الخدمية بمفاهيم “الأمن الإنساني” الحديثة، التي ترى في تأمين المياه النظيفة مدخلاً إلزامياً للصحة العامة والتنمية المستدامة، وهو ما جسدته القيادة عملياً تحت شعار وطني يكرس شمولية التنمية وعدم استثناء أي رقعة جغرافية، انطلاقاً من مبدأ أنه لا يجب نسيان أي قرية أو حرمان أي عائلة من مقومات العيش الكريم. وتتجلى الآثار الإيجابية المباشرة للمشروع في معالجة ثغرة ديموغرافية واجتماعية عانت منها 53 قرية في منطقتي بارزان وميرگەسور لسنوات.
إذ يساهم المشروع في تخفيف الأعباء المعيشية عن الفئات الأكثر هشاشة كالنساء والأطفال، ويعيد دمج رأس المال البشري من خلال إتاحة الفرصة للطلبة والأطفال للتفرغ التام للتعليم وبناء المستقبل بدلاً من استنزاف طاقاتهم في تأمين مصادر المياه.
ولم تقف هذه المقاربة التنموية الشاملة لرئيس الحكومة عند الحدود الفنية الأصلية للمشروع، بل عززتها توجيهاته اللاحقة بضم قريتي قسروك وهروي لضمان التغطية الجغرافية الكاملة، لتترجم لغة الأرقام اليوم طفرة في القدرة الاستيعابية والبنيوية للإقليم، من خلال طاقة إنتاجية تبلغ تصفية وضخ 1200 متر مكعب من المياه النظيفة في الساعة الواحدة لتغطية احتياجات أكثر من 35 ألف مواطن، عبر منظومة هيدروليكية متكاملة تضم ثلاث محطات ضخ رئيسية مجهزة بـ 24 مضخة، و 70 خزان تجميع بسعات متفاوتة، وشبكة أنابيب ممتدة على طول 540 كيلومتراً تربط الخطوط الناقلة بالشبكات الداخلية للقرى.
ومن منظور الجيواقتصاد، تتجاوز الأهمية الاستراتيجية لمشروع ماء “بالندا – بارزان” الوظيفة التقليدية لتوفير مياه الشرب، لتصب مباشرة في عمق الأهداف الهيكلية للبرنامج الحكومي للكابينة التاسعة والمتمثلة في التنويع الاقتصادي.
فالماء هو المحرك الأساسي للاستقرار الريفي والإنتاج الزراعي، وبتأمين هذا المصدر المستدام، تهيئ الحكومة الأرضية المناسبة للأهالي لتطوير قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية، مما يشكل دعماً بنيوياً للأمن الغذائي للإقليم، ويقلل الاعتماد على الاقتصاد الريعي، فضلاً عن كونه أداة استراتيجية للحد من الهجرة الداخلية نحو المراكز الحضرية الكبرى وتخفيف الضغط على المدن. إن إنجاز هذا الشريان الخدمي الحيوي في هذا التوقيت المعقد يبعث برسالة ثقة سياسية بالغة الدلالة داخلياً وخارجياً، تثبت كفاءة القيادة الحاكمة في إقليم كوردستان وقدرتها على إنجاز التعهدات وتطوير البنى التحتية الحاكمة برغم التحديات، مؤكدةً مجدداً أن بوصلة الكابينة التاسعة برئاسة السيد مسرور بارزاني تظل موجهة نحو تعزيز عناصر القوة الذاتية للإقليم، وتحويل المناطق الحدودية والريفية إلى واحات تنموية مستقرة وجاذبة للاستثمار.