كوردستان: القلعة الأخيرة للاستقرار في منطقة ملتهبة

رمزي ميركاني

كلما خيّم شبح التوتر على سماء الشرق الأوسط، واحتدمت لغة الصواريخ والمسيّرات بين القوى الإقليمية والدولية، يتجه الأنظار تلقائياً نحو إقليم كوردستان العراق. لم يكن الإقليم يوماً طرفاً محرضاً أو قوة عدائية تجاه جواره، بل سعى عبر عقود لبناء تجربة فريدة قوامها الأمن والتنمية والتعايش. ومع ذلك، يجد الإقليم نفسه مراراً وتكراراً في “عين العاصفة”، كساحة لتصفية الحسابات ومريداً لإيصال رسائل الردع بين الخصوم. فما الذي جعل من هذه التجربة الناجحة هدفاً دائماً لنيران الصراعات؟

يقع إقليم كوردستان عند تقاطع مصالح استراتيجية معقدة. فبين نفوذ إيران وطموحات تركيا والوجود العسكري للتحالف الدولي بقيادة واشنطن، يجد الإقليم نفسه في قلب معادلة الجغرافيا السياسية الصعبة. إن استهداف أربيل ليس مجرد فعل أمني، بل هو محاولة للضغط غير المباشر على الولايات المتحدة وحلفائها. فبينما يرى البعض في وجود قوات التحالف في مطار أربيل ضرورة لحماية المنطقة من فلول داعش، تراه قوى إقليمية وميليشيات موالية لها ورقة ضغط يمكن تحريكها عبر الصواريخ لابتزاز المجتمع الدولي أو تحسين شروط التفاوض.

لعل الجريمة الكبرى التي يرتكبها إقليم كوردستان في نظر كارهيه هي نجاحه النسبي. فبينما كانت أجزاء واسعة من المنطقة تغرق في الفوضى والفساد والحروب الأهلية، استطاع الإقليم بناء بنية تحتية، وجذب استثمارات عالمية، وتوفير بيئة من الحرية والتنوع الثقافي والديني. هذا النموذج المستقر يمثل قلقاً لبعض القوى التي تخشى أن تنتقل عدوى البناء والديمقراطية إلى حدودها، أو أن يقدم الكورد برهاناً عملياً على أن الإدارة الرشيدة والاعتدال السياسي هما السبيل الوحيد للازدهار، مما يحرج أنظمة قائمة على الأيديولوجيات المتشددة أو الفوضى.

دفع الكورد أثماناً باهظة من دماء أبنائهم في قوات البيشمركة دفاعاً عن المنطقة والعالم بأسره. ففي عام 2014، كانت أربيل خط الدفاع الأول الذي أوقف تمدد تنظيم داعش الإرهابي، ولم يكتفِ الإقليم بالدفاع عن حدوده بل كان شريكاً أساسياً في تحرير المناطق العراقية الأخرى. يضاف إلى ذلك الدور الإنساني الاستثنائي، حيث استضاف الإقليم ما يقارب مليوني نازح ولاجئ، مقدماً نموذجاً في الإيثار رغم الأزمات المالية. هذا الدور القيادي جعل الإقليم رقماً صعباً في السياسة الدولية، وهو ما يثير حفيظة القوى التي تريد إضعاف المكون الكوردي وتهميش دوره السياسي والقومي.

لم يعد الاستهداف عسكرياً فحسب، بل تحول إلى حرب اقتصادية ممنهجة. إن قصف المنشآت الحيوية مثل حقول الطاقة، وعرقلة تصدير النفط، وقطع الموازنات المالية من قبل بعض الأطراف في بغداد، كلها أدوات تهدف إلى تركيع الإقليم وكسر إرادته السياسية. كما تبرز نقطة جوهرية تتمثل في رفض أربيل القاطع لأن تكون ممراً لتهريب السلاح أو المخدرات لصالح أجندات إقليمية، مما دفع تلك القوى لمحاولة شل حركة مطار أربيل الدولي وتعطيل دوره التنموي.

في الداخل العراقي، يلجأ بعض الساسة والمؤثرين إلى توجيه أصابع الاتهام نحو كوردستان لتبرير فشلهم في تقديم الخدمات وإعمار مدن الوسط والجنوب. إنها محاولة مكشوفة لتضليل الرأي العام العراقي؛ فبينما تذهب مليارات الدولارات إلى جيوب الفساد والمحسوبية في بغداد، يتم تصوير موازنة الإقليم وكأنها سبب الفقر في البصرة أو الناصرية. والحقيقة أن إقليم كوردستان، رغم قلة موارده مقارنة بالمركز، استثمر ما لديه في الإعمار، بينما تبددت ثروات العراق في صراعات لا طائل منها.

إن تاريخ الشعب الكوردي، من مأساة حلبجة والأنفال وصولاً إلى ملاحم البطولة ضد داعش، يثبت أن لغة الترهيب لن تجدي نفعاً. سيبقى إقليم كوردستان هدفاً طالما بقي متمسكاً بخيار السلام والبناء والتعايش، وطالما رفض أن يكون تابعاً لمحاور تدمر ولا تعمر. إن حماية هذا النموذج ليست مسؤولية الكورد وحدهم، بل هي ضرورة أخلاقية وسياسية للمجتمع الدولي وللعراقيين الطامحين للاستقرار؛ فإضعاف كوردستان هو إضعاف لآخر قلاع الاستقرار في منطقة لا تتحمل المزيد من الحرائق. يبقى السؤال: متى يدرك الآخرون أن قوة كوردستان وازدهارها هما إضافة للمنطقة وليسا تهديداً لأحد؟

قد يعجبك ايضا