كيف نربي جيلاً قادراً على الاختيار؟

متابعة التآخي

في أحد الصفوف الدراسية، طرح المعلم سؤالًابسيطًا على طلبته: ما التخصص الذي ترغبونبدراسته بعد التخرج؟. لم تكن الإجابات تعكسرغبات شخصية بقدر ما كانت تعكس رغباتالآخرين. أحدهم قال: والدي يريدني طبيبًا، وآخرأجاب: العائلة قررت أن أدخل الهندسة، بينما اكتفىثالث بالقول: سأرى ما يختاره لي أهلي

في أحد الصفوف الدراسية، طرح المعلم سؤالًابسيطًا على طلبته: “ما التخصص الذي ترغبونبدراسته بعد التخرج؟“. لم تكن الإجابات تعكسرغبات شخصية بقدر ما كانت تعكس رغباتالآخرين. أحدهم قال: “والدي يريدني طبيبًا، وآخرأجاب: “العائلة قررت أن أدخل الهندسة، بينمااكتفى ثالث بالقول: “سأرى ما يختاره لي أهلي“.

قد يبدو المشهد مألوفًا في كثير من المجتمعات، لكنهيكشف قضية أعمق من مجرد اختيار تخصصدراسي. فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بالمهنة التيسيختارها الشاب، وإنما بقدرته على الاختيار أصلًا.

هنا تبدأ واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في مستقبلالمجتمعات: ثقافة اتخاذ القرار واستقلالية الشباب.

فالإنسان لا يُبنى بالمعرفة وحدها، ولا بالمهاراتالتقنية فقط، وإنما بقدرته على التفكير المستقلوتحمل مسؤولية خياراته. والفرق الجوهري بين الفردالفاعل والفرد التابع يكمن في امتلاك الإرادة والقدرةعلى الحسم وتحمل نتائج القرار. ومنذ اللحظاتالأولى لتكوين الشخصية تبدأ هذه الملكة بالنمو أوالتراجع بحسب البيئة التي يعيش فيها الإنسان.

المفارقة أن كثيرًا من المؤسسات التربوية والاجتماعيةتعلن رغبتها في صناعة جيل مبدع ومبادر وقادرعلى القيادة، بينما تمارس في الواقع أنماطًا تربويةتقوم على التوجيه الدائم والحماية المفرطة والرقابةالمستمرة. وبدل أن يتعلم الطفل كيف يختار، يتعلمكيف ينتظر من يختار عنه.

في الأسرة غالبًا ما يبدأ الأمر بدافع المحبة والخوفوالحرص. يحاول الأب أو الأم تجنيب الأبناءالأخطاء، فيقدمان لهم الإجابات الجاهزة والحلولالمسبقة. ومع مرور الوقت تتحول النصيحة إلىوصاية، ويتحول الإرشاد إلى إدارة كاملة للحياة. وعندما يبلغ الشاب مرحلة الرشد يجد نفسه أمامعالم واسع يتطلب قرارات يومية، بينما لم تتح لهفرصة كافية لتدريب عقله على الاختيار.

وتتسع الدائرة خارج المنزل. فالمدرسة العربيةالتقليدية ما زالت في كثير من الأحيان تمنح الأولويةللحفظ والطاعة والانضباط أكثر من تنمية التفكيرالنقدي والاستقلالية. الطالب الذي يكرر ما يقولهالمعلم يحصل على التقدير، أما الذي يناقش أو يقترحأو يجرب مسارًا مختلفًا فيُنظر إليه أحيانًا بوصفهمصدر إرباك للنظام التعليمي.

وعندما ينتقل الشاب إلى الجامعة أو سوق العمل،تستمر الثقافة ذاتها بأشكال مختلفة. المدير يفضلالموظف الذي ينفذ التعليمات دون نقاش، وبعضالمؤسسات تنظر إلى المبادرة الفردية باعتبارهاخروجًا عن المألوف. وهكذا تتشكل حلقة متصلة تبدأمن الأسرة ولا تنتهي عند المؤسسة، تنتج أفرادًاينتظرون التوجيه أكثر مما ينتجون الأفكار.

تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تصادر حريةالقرار فقط، وإنما تؤثر في بنية الشخصية نفسها. فالقرار ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل عملية عقليةونفسية تبني الثقة بالنفس والشعور بالمسؤوليةوالقدرة على التكيف مع المتغيرات. وكل قرار يتخذهالإنسان بنفسه يمثل تدريبًا عمليًا على النضج.

ولهذا نجد أن المجتمعات التي نجحت في بناءاقتصاد المعرفة والابتكار لم تركز على التعليم وحده،وإنما اهتمت بتنشئة الأفراد على الاستقلالية وتحملالمسؤولية منذ المراحل المبكرة. فالابتكار يبدأ منسؤال، والسؤال يحتاج إلى عقل حر، والعقل الحريحتاج إلى بيئة تسمح له بالتفكير والاختياروالتجربة.

إن الشباب الذين اعتادوا اتخاذ قراراتهم الصغيرةيصبحون أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الكبرى. واختيار كتاب أو نشاط أو هواية في مرحلة مبكرة قديكون تدريبًا أوليًا على اختيار التخصص والعملوالشريك ومسار الحياة لاحقًا. لذلك فإن السماحللشباب بخوض تجاربهم الخاصة لا يعني التخليعنهم، وإنما يعني منحهم فرصة النمو الطبيعي.

والتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بينالتوجيه والاستقلالية. فالمجتمع يحتاج إلى قيمتضبط السلوك وتحافظ على تماسكه، ويحتاج فيالوقت نفسه إلى أفراد يمتلكون شخصيات مستقلةقادرة على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية. فالإفراط في الوصاية يضعف الإرادة، والإفراط فيالانفلات يضعف الانضباط، وبين الطرفين تتشكلالمساحة التي تنمو فيها الشخصية السوية.

لهذا تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى مراجعة كثير منالأنماط التربوية السائدة داخل الأسرة والمدرسةوالمؤسسة. فمستقبل المجتمعات لا يُقاس بعددالشهادات التي يحملها شبابها فقط، وإنما بعددالعقول القادرة على اتخاذ القرار، وتحمل مسؤوليته،والمبادرة إلى الفعل.

فالأمم التي تصنع قادة المستقبل تبدأ أولًا بصناعةأفراد يثقون بقدرتهم على الاختيار. وحين يتعلمالشاب أن يفكر بنفسه، ويقرر بنفسه، ويتحمل نتائجقراراته بنفسه، يكون المجتمع قد وضع حجر الأساسلبناء إنسان مستقل، وإنسان مستقل يعني مجتمعًاأكثر حيوية وقدرة على التقدم ومواجهة تحدياتالعصر

قد يعجبك ايضا