د. عبد الحسين شعبان
تمهيد
حين صدر كتابي عن أبو گاطع (شمران الياسري) والموسوم (على ضفاف السخرية الحزينة) في العام 1998 في لندن كان قد مضى على رحيل الصحافي والروائي الساخر أكثر من عقد ونصف من الزمان، ولعلّ الكثير من جيل الثمانينيات والتسعينيات، وخصوصاً خارج العراق، لم يكن قد قرأ أو ربّما سمع عن (أبو گاطع)، ناهيك عن التعرّف على نتاجه الإبداعي، خصوصاً عموده الصحافي الذائع الصيت (بصراحة) أو أعماله الروائية متمثلة (بالرباعية): (الزناد وبلابوش) (دنيا) و(غنم الشيوخ) و(فلوس حميّد) أو (قضية حمزة الخلف) على الرغم من أن الأخيرة طبعت في بيروت بعد وفاته، أما برنامجه الإذاعي الشهير والموجّه حينها إلى الفلاحين بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 فكاد أن يُنسى، على الرغم من أنه كان حينها مثار اهتمام أوساط واسعة في الريف والمدينة، لكنه مضى زمن عليه فنسيه الكثيرون، كما لم يسمع به من جاء بعدهم.
شيء واحد ظلّ عالقاً بأذهان الناس، بل ذهب مثلاً أحياناً يردّده من يعرف أبو گاطع أو لا يعرفه، ألا وهو عنوان برنامجه الشهير (إحجيه بصراحة يبو كَاطع)، حيث كانت الأفواه والألسن تردّده، كلما أرادوا من محدثهم الإفصاح عن الحقيقة، أو كلما اضطروا إلى مطالبته بالصراحة والوضوح.
أقول ذلك لأن (أبو گاطع) أصبح محظوراً ومحرّماً منذ أواسط السبعينيات، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لأن الرجل غادرنا قبل الأوان، سواءً إلى الغربة (كلاجئ غير سياسي) على حد تعبيره في العام 1976 ومن ثم توفي باكراً في براغ في 17 آب (أغسطس) العام 1981 ودفن في بيروت في مقبرة الشهداء الفلسطينيين.
وأخمّن أن جميع من أدركهم الوعي وشغلهم الاهتمام بالحرف من جيل الخمسينيات، وخصوصاً بعد الثورة، سمعوا عن (أبو گاطع) وبرنامجه الإذاعي، خصوصاً ما كان يناقشه من مشكلات وإشكالات وقضايا تمثل هموم الريف العراقي بشكل خاص وهموم المجتمع وتطلعاته بشكل عام، لدرجة إنه كان حديث المجالس أحياناً، لكن ما يقارب أربعة عقود ونيّف من الزمان، كانت كفيلة لأن يطوي النسيان صور الماضي، لاسيّما في ظل مشاغل جديدة وأعباء كثيرة ، فما بالك إذا كانت تلك السنون مليئة بالأحداث والانقلابات والحروب الدراماتيكية والصراعات السياسية والحصار والهجرة والاحتلال والطائفية والإرهاب.
الروائي وكتابة التاريخ
وعلى حد تعبير الروائي غائب طعمة فرمان: ((فأبو گاطع إنسان ثابت في أرضه يعرف كل شبر منها، عاليها وسافلها، حلوها ومرّها، مذاق ثمارها وملوحة عرق الكدح فيها، يتغنّى بشفافية روح، وشجاعة قلب، وحكمة فطرية ومكتسبة بما يمثّل الهيكل الإنساني لحياة ابن الريف)). ويضيف فرمان: ((لقد وظف شمران نباهته ورهافة حسّه ولذاعة سخريته، ووضع كل ذلك في يد صديقه وأخيه الفلاّح، ليلتمس مواطن الضعف والمأسوية في حياته، ويجعل من حياته البسيطة الساذجة في أحيان كثيرة قصصاً يمكن أن ترى وتجلب التعاطف وتسجل تاريخاً لم يجرؤ المؤرخون على تسجيله)).
ويدرك فرمان أن التاريخ لا يكتبه المؤرخون، بل إن من يكتبه هم الأدباء والفنانون وأصحاب الفكر، وحسب مكسيم غوركي، ذلك هو التاريخ الحقيقي للإنسان، فما بالك إذا كان هذا التاريخ وفقاً لهيغل يعيد نفسه أحياناً، وقد يظهر على شكل مأساة وأخرى على ملهاة، ولعلّ الملهاة أو السخرية لا تعني الهزل أو الكوميديا، بقدر ما يترك الضحك من حزن وألم ينظر إليه مفكر وفيلسوف مثل، كارل ماركس على نحو شديد الجدّية، بقوله: إني أقف مما هو مضحك، موقفاً جاداً، وأظنه هو ما كان يقصده الشاعر الكبير أبو الطيّب المتنبي حين قال:
وماذا بمصر من المضحكات … ولكنه ضحكٌ كالبكاء
إنك والحالة هذه لا يمكن أن تفصل بين أبو گاطع وبين السخرية، ففن وأدب وعمود أبو گاطع الصحافي الذي انتشر شفيفاً خفيفاً كان لصيقاً بالسخرية اللاذعة الحزينة التي لم يعرفها الأدب العراقي عموماً، لكنها مع أبو گاطع اكتسبت شكلاً جديداً أكثر عمقاً وشمولاً وخفّة دم كما يقال. وبقدر سخرية أبو گاطع، كانت الرواية شكلاً جديداً للتعبير، مثلما ظلّت الأقصوصات والحكايات مادة طازجة يحتويها عموده الصحفي وبقدر المتعة والضحك، فإنها في الوقت نفسه، تعكس جدّية عالية ووقاراً هائلاً، حتى وإن كنّا نضحك من الأعماق.
أحد خطوط المواجهة الساخنة
كان عمود أبو گاطع الصحافي خطاً من خطوط المواجهة السياسية الساخنة، بقدر ما هو شفيف خفيف وأنيس، يقرأه من كان من محبي أبو گاطع وأدبه، لكي يتمتعوا بحكاياته وأقصوصاته وطرائفه ومفارقاته، مثلما يقيسون به درجة حرارة الجو السياسي والحراك الاجتماعي، وكان خصومه في السلطة وخارجها يقرؤونه أيضاً، ليعرفوا مواطن الخلل في السلطة ذاتها، ولديهم أيضاً، وكان العمود بمثابة البارومتر الزئبقي الدقيق، فكلّما ارتفعت لغة أبو گاطع حرارة، سجّل البارومتر سخونة الوضع السياسي والعكس صحيح، وكان موقع عمود في الصفحة الأخيرة من جريدة (طريق الشعب)، حيث يتربع (بصراحة) وهكذا كان القراء يبدو أن بقراءة الجريدة بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، وعندما نقل العمود إلى الصفحات الداخلية، كتب أبو گاطع (نزّلوك لو صعوّدك؟)أي لماذا تم نقل العمود، مع غمز ولمز؟!
حنظلة وكاريكاتير ناجي العلي
كان عمود أبو گاطع يعطي جرعات متواصلة من السخرية المشوبة بالحزن تلك التي يخشاها الحكّام والمستبدون والبيروقراطيون من كل صنف ولون وفي كل زمان ومكان، وكانت شخصيته المملحة (خلف الدوّاح) ما يوازي شخصية حنظلة في ريشة الفنان ناجي العلي، فالقلم والريشة والشخصيتان الأثيرتان مثّلتا ذلك السحر الأخاذ الذي يثير في النفس خيالات خصبة جديرة بكل من يتوق إلى الحرية والتنوير.
عمود أبو گاطع الصحافي مثل كاريكاتير ناجي العلي، يمسّ الروح ويتألق مع العقل وينساب إلى الوعي عميقاً ولاذعاً، وعندما نقول خلف الدوّاح فأنت تقصد أبو گاطع، مثلما تعني ناجي العلي عندما نقول حنظلة، وفي كلا الحالين تعني: مقاومة الظلم والاستبداد والانحياز إلى الإنسان وحقوقه… ولا يمكن تصوّر حنظلة بدون فلسطين، مثلما لا يمكن الحديث عن خلف الدوّاح دون الحديث عن الريف العراقي، والعراق ككل.
هي السخرية في الحالين إذاً: وجوه ومؤخرات، زهورٌ وتوابيت، طيورٌ وبنادق، مظلومون وظالمون، هي السخرية حين ينتصب أمامك الواقع العربي بكل تناقضاته وبؤسه وتشويهاته، مثلما تصوره ريشة ناجي العلي يعكسه قلم أبو گاطع: السخرية المشتركة والهوّية المشتركة والأمل المشترك للمثقفين والمظلومين والمنفيين، وإن اختلفت الألوان والأشكال والاجتهادات.