حسن سريع وملحمة انتفاضة الثالث من تموز

نبيل عبد الأمير الربيعي

الشجاعة ليست مجرد موقف عابر، بل هي قيمة أخلاقية تسمو بالإنسان، فتمنحه الثقة بالنفس، وتصون كرامته، وتجعله وفياً لمبادئه. ومن يتسلح بالشجاعة لا يعرف الكذب ولا الغدر، ولا يحتاج إلى قناع أو لثام، لأن الشرفاء يواجهون الحياة بوجوههم الحقيقية، أما الأقنعة فلا يرتديها إلا الذين فقدوا شجاعة المواجهة.
شكّل انقلاب الثامن من شباط عام 1963 منعطفاً مأساوياً في التاريخ السياسي العراقي، بعدما نجح التحالف الذي ضم حزب البعث والقوميين العرب والقوى الرجعية، بدعم إقليمي ودولي، في إسقاط النظام الجمهوري الذي انبثق عن ثورة الرابع عشر من تموز 1958. وقد أعقب الانقلاب موجة غير مسبوقة من القمع والتنكيل، طالت الوطنيين والديمقراطيين، وفي مقدمتهم قادة ثورة تموز وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي وأنصاره، فتحولت السجون والمعتقلات إلى مسارح للتعذيب والتصفية الجسدية.
وسط هذا المناخ الدموي، لم يستسلم العراقيون لسطوة الانقلابيين، بل بدأت تتشكل بؤر مقاومة سرية كان أبرزها انتفاضة الثالث من تموز 1963، التي ارتبط اسمها بالعريف حسن سريع، لتغدو إحدى أكثر الصفحات إشراقاً في تاريخ الحركة الوطنية العراقية.
ولد حسن سريع في مطلع أربعينيات القرن الماضي في قضاء عين التمر بمحافظة كربلاء، وينتمي إلى عشيرة بني حجيم ذات التاريخ الوطني المعروف. وبسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشتها أسرته، أكمل دراسته الابتدائية في شثاثة، ثم تطوع في الجيش العراقي، فالتحق بمدرسة قطع المعادن المهنية في معسكر الرشيد، حيث برز بذكائه وانضباطه حتى اختير مدرباً في المدرسة نفسها برتبة نائب عريف، ولم يمنعه انشغاله العسكري من مواصلة دراسته الثانوية مساءً، إيماناً بأن المعرفة لا تقل أهمية عن السلاح.

لم يكن حسن سريع قائداً عسكرياً محترفاً بقدر ما كان شاباً مؤمناً بقضيته، يمتلك شخصية قوية، وصدقاً في التعامل، وإيماناً عميقاً بحق العراقيين في الحرية والكرامة.
بعد حملات الاعتقال الواسعة والتعذيب الوحشي التي أعقبت انقلاب شباط، نشطت مجموعة من كوادر الحزب الشيوعي العراقي في إعادة تنظيم صفوفها، وعرفت باسم اللجنة الثورية، وكان من أبرز قادتها إبراهيم محمد علي، ثم محمد حبيب (أبو سلام) بعد استشهاد الأول تحت التعذيب دون أن يفشي أسرار التنظيم.
وكان الهدف الرئيس للانتفاضة تحرير أكثر من ألف ضابط معتقل في السجن رقم (1) داخل معسكر الرشيد، ثم السيطرة على بغداد وإسقاط الحكم الانقلابي.
أُجّل موعد الانتفاضة ثم قُدم إلى الثالث من تموز بعد اكتشاف بوادر انكشاف التنظيم. وفي الليلة الحاسمة اجتمع الثوار في أحد أكواخ (كمب سارة)، حيث وزعت المهام، وأقسموا على تحرير الوطن من حكم الانقلابيين.
تحرك حسن سريع ورفاقه تحت جنح الظلام، وسيطروا على أجزاء واسعة من معسكر الرشيد، واستولوا على مخازن السلاح، واعتقلوا عدداً من أبرز قادة الانقلاب، بينهم طالب شبيب، وحازم جواد، ومنذر الونداوي، فضلاً عن عدد من الضباط الموالين للنظام.
وبرغم ما ارتكبته السلطة من جرائم بحق أبناء الشعب، رفض حسن سريع تصفية الأسرى، قائلاً عبارته التي أصبحت شاهداً على أخلاقه الثورية:
(لا تقتلوا الأسرى… سنقدمهم إلى محكمة عادلة).
غير أن تأخر اقتحام السجن رقم (1)، واستبسال حراسه، إضافة إلى تخاذل بعض المكلفين بمهام حاسمة، منح السلطة الوقت الكافي لإرسال تعزيزاتها، فطوق معسكر الرشيد بالدبابات والمدرعات، وانتهت المواجهة باعتقال معظم الثوار واستشهاد عدد منهم.
قدم الثوار الى المحكمة، ولم تكن المحكمة التي مثل أمامها حسن سريع سوى محكمة صورية أعدت لإضفاء شرعية شكلية على أحكام الإعدام.
وعندما سأله رئيس المجلس العرفي:
-كيف تجرأت على ارتداء رتبة ملازم أول؟
أجاب بثقة:
-وضعت أقل رتبة ضابط في الجيش، وكنت سأنتزعها بعد نجاح الانتفاضة.
وعندما قيل له:
-هل كنت تريد أن تصبح رئيساً للجمهورية؟
أجاب:
-لم أرد أن أكون رئيساً للجمهورية، وإنما أردت إسقاط حكومتكم.
ولم يكتفِ بذلك، بل تحمل مسؤولية الانتفاضة كاملة، قائلاً: (أنا المسؤول عن الثورة… والآخرون أبرياء).
لقد كان يدرك أن الموت بات قريباً، لكنه واجهه بثبات نادر، حتى مضى إلى الإعدام فجر الحادي والثلاثين من تموز 1963، مردداً:
السجن لي مرتبةٌ… والقيد لي خلخالُ
والمشنقة يا فهد… مرجوحةُ الأبطال.
لم يكن فشل الانتفاضة نتيجة ضعف الإرادة، بل حصيلة ظروف موضوعية عديدة، من أبرزها:
-قلة الخبرة العسكرية والتنظيمية لدى قيادة الحركة.
-تغيير ساعة الصفر بصورة أربكت التنظيمات العسكرية الأخرى.
ضعف التنسيق بين الوحدات المشاركة.
-عدم تمكن الثوار من تحرير الضباط المعتقلين في الوقت المناسب.
-تخاذل بعض العناصر المكلفة بمهام مفصلية.
-تفوق السلطة في العدة والعدد، واستقدامها تعزيزات سريعة حسمت المعركة.
رغم إخفاق الانتفاضة العسكري، فقد حققت انتفاضة حسن سريع مكاسب معنوية وسياسية عميقة، أبرزها:
-أكدت أن إرادة المقاومة لم تنكسر بعد انقلاب شباط.
-جسدت وحدة العراقيين بمختلف قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم.
-أعادت الثقة للحركة الوطنية العراقية بعد الضربة القاسية التي تعرضت لها.
-كشفت هشاشة سلطة الانقلابيين وخوفهم الدائم من الجيش والقوى الوطنية.
-مهدت، بصورة غير مباشرة، للإجراءات الانتقامية اللاحقة التي عرفت بمأساة قطار الموت.

تبقى ملحمة حسن سريع واحدة من أنبل صفحات التاريخ العراقي الحديث، لأنها لم تكن مجرد محاولة انقلاب مضاد، بل كانت انتفاضة أخلاقية ووطنية ضد الاستبداد، حمل رايتها شباب آمنوا بأن الوطن يستحق التضحية.
ومن المؤلم أن هذه القامة الوطنية، ومعها عشرات الشهداء الذين مثلوا فسيفساء العراق من البصرة إلى الموصل، ومن أربيل إلى السماوة، ومن بابل إلى ديالى، ما زالت تنتظر ما يليق بتضحياتها من إنصاف رسمي، ولو بإطلاق أسمائهم على شارع أو ساحة أو مؤسسة عامة، أو الاعتراف بهم شهداء للوطن، بما يكفل لأسرهم حقوقهم المعنوية والقانونية.
إن الأمم التي تنسى شهداءها، تفرط بذاكرتها، أما الأمم التي تخلدهم، فإنها تؤسس لمستقبل أكثر وفاءً وعدالة.

المصادر
ــــــــــــــــــ
1- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، عزيز سباهي، ج2 ص573).
2 – قطار العمر، حكمت محمد فرحان، ص229.
3- سيرة ثائر، حامد مصطفى مقصود، ص472.
4- ذكرياتي عن انتفاضة معسكر الرشيد الخالدة، نعيم الزهيري، موقع الناس الناس.

قد يعجبك ايضا