مريم نرمة روفائيل… رائدة الصحافة العراقية التي سبقت عصرها

نبيل عبد الأمير الربيعي

لا تصنع الأمم تاريخها بالسلاح والسياسة وحدهما، بل تصنعه أيضا بالكلمة الحرة، وبالعقول التي امتلكت شجاعة التفكير في زمن كان التفكير فيه مغامرة، وبالأقلام التي آمنت بأن إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح الوعي. وإذا كان تاريخ الصحافة العراقية زاخرا بالأسماء التي أسهمت في بناء الرأي العام، فإن اسم مريم نرمة روفائيل (رومايا) يحتل مكانة استثنائية، لأنها كانت أول امرأة عراقية اقتحمت ميدان الصحافة، في مجتمع كانت فيه الكلمة العامة تكاد تكون حكرا على الرجال.

لقد كانت مريم نرمة أكثر من صحفية؛ كانت مشروعا ثقافيا وإصلاحيا، آمنت بأن نهضة المجتمع تبدأ من تعليم المرأة وتثقيفها، وأن الصحافة ليست مهنة لنقل الأخبار، بل رسالة لتكوين الإنسان وصناعة الوعي.
تنحدر أسرتها من بلدة تلكيف في محافظة نينوى، بينما ولدت في بغداد، ويرجح عدد من الباحثين أنها ولدت عام 1885، في حين تشير مصادر أخرى إلى عام 1890. نشأت في محلة القاطرخانة، وأكملت دراستها الابتدائية وهي في الثانية عشرة من عمرها، وهو إنجاز لم يكن مألوفا للفتيات في تلك الحقبة. وقد أسهمت نشأتها الدينية والثقافية في تكوين شخصيتها، فكانت شغوفة بقراءة الكتب التاريخية والدينية والأدبية، وهو ما انعكس لاحقا في كتاباتها.
بدأت مسيرتها الصحفية مبكرا، عندما نشرت عام 1921 أول مقال صحفي تكتبه امرأة عراقية بعنوان (إلى طائفة من العراقيين) في مجلة (دار السلام) التي كان يصدرها الأب أنستاس الكرملي، ووقعته باسم مستعار هو (كلدانية عربية عراقية)، مراعاة للظروف الاجتماعية السائدة آنذاك. ويعد هذا المقال، بحسب عدد من الباحثين وفي مقدمتهم الدكتور رياض السندي، أول مشاركة صحفية موثقة لامرأة عراقية، الأمر الذي منحها بجدارة لقب رائدة الصحافة النسوية في العراق.
ومع مرور السنوات، بدأت تكتب باسمها الحقيقي، بعد أن استخدمت تسميات متعددة مثل (مريم نرمة الكلدانية العراقية) و(أختكم مريم نرمة الكلدانية)، حتى استقر توقيعها على اسم (مريم نرمة)، الذي عُرفت به في الوسط الثقافي والصحفي.
لم تقتصر كتاباتها على القضايا الاجتماعية، بل تناولت موضوعات دينية وأخلاقية وتربوية ووطنية، ومن أشهر مقالاتها (يوسف القديم ويوسف الجديد) المنشور عام 1922 في مجلة (نشرة الأحد)، والذي قدمت فيه قراءة دينية ذات طابع فكري يعكس سعة ثقافتها وقدرتها على توظيف النصوص الدينية في معالجة القضايا الإنسانية.
لكن المحطة الأبرز في حياتها جاءت عام 1937، عندما أصدرت صحيفة (فتاة العرب)، التي تعد من أوائل الصحف النسوية في العراق. ولم يكن اختيار الاسم اعتباطيًا، بل كان يحمل رؤية قومية وثقافية، تؤمن بأن المرأة العربية شريك أساس في نهضة المجتمع.
كانت (فتاة العرب) أكثر من صحيفة نسوية؛ فقد كانت منبرا للإصلاح الاجتماعي، والدعوة إلى تعليم المرأة، وترسيخ قيم الأسرة، وتعزيز الوعي الوطني. وناقشت الصحيفة قضايا المجتمع والسياسة والثقافة، ولم تحصر نفسها في الشؤون النسائية الضيقة، بل تعاملت مع المرأة بوصفها مواطنة كاملة الحقوق والواجبات.
صدر العدد الأول في ست عشرة صفحة، ثم توالت الأعداد حتى بلغت خمسة وعشرين عددا خلال ستة أشهر فقط، قبل أن تتوقف بسبب الضائقة المالية. ومع ذلك، بقي أثرها حاضرا في تاريخ الصحافة العراقية، لأن القيمة الحقيقية للصحف لا تقاس بعدد سنوات صدورها، بل بالأثر الذي تتركه في الوعي العام.
ومن المواقف الوطنية المضيئة في سيرتها رفضها إغراءات سلطات الاحتلال البريطاني، التي عرضت عليها دعما ماليا شهريا مقابل أن تتحول صحيفتها إلى أداة تخدم سياسات الاحتلال. غير أنها رفضت هذا العرض، مفضلة الاستقلال المهني والكرامة الوطنية على المكاسب المادية، حتى وإن كان الثمن توقف صحيفتها عن الصدور.
كما عملت في صحف ومجلات عراقية عديدة، منها (المصباح) و(نشرة الأحد)، وسخرت قلمها لمعالجة قضايا المجتمع والدفاع عن التعليم والإصلاح الأخلاقي، مؤمنة بأن المرأة المتعلمة هي أساس الأسرة الصالحة، وأن نهضة المجتمع تبدأ من نهضة المرأة.
وقد جمعت بين الأصالة والانفتاح؛ فكانت محافظة في سلوكها الشخصي، لكنها تقدمية في دعوتها إلى تعليم المرأة ومشاركتها في الحياة العامة، وهو ما منح خطابها قبولًا واسعًا في مجتمع كان ينظر بحذر إلى الدعوات الإصلاحية.
ولم يغب عطاؤها عن ذاكرة الدولة العراقية، إذ كرمتها وزارة الثقافة والإعلام عام 1969 خلال الاحتفال بمئوية الصحافة العراقية، تقديرا لدورها الريادي في تاريخ الإعلام العراقي.
رحلت مريم نرمة عام 1972، بعد رحلة طويلة من العطاء، لكنها تركت وراءها إرثا صحفيا وثقافيا وإنسانيا يستحق المزيد من الدراسة والإنصاف. فما زالت مذكراتها المخطوطة، التي تضم صفحات مهمة عن حياتها والحركة الصحفية العراقية، تمثل مادة تاريخية ذات قيمة كبيرة.
إن الحديث عن مريم نرمة روفائيل ليس مجرد استذكار لسيرة امرأة متميزة، بل هو استعادة لمرحلة مشرقة من تاريخ العراق، أثبتت فيها المرأة العراقية قدرتها على صناعة الوعي والمشاركة في بناء المجتمع، رغم القيود الاجتماعية والثقافية التي كانت تحيط بها.
لقد كانت مريم نرمة سابقة لعصرها؛ حملت رسالة الكلمة عندما كان صوت المرأة نادرا، وآمنت بالتعليم عندما كان الجهل يطوق النساء، ودافعت عن استقلال الصحافة عندما كان ثمن الموقف باهظا.
إنها ليست مجرد أول صحفية عراقية، بل إحدى الشخصيات التي أسهمت في تأسيس تقاليد الصحافة الوطنية، ورسخت حضور المرأة في المجال العام، لتصبح قدوة لأجيال من الصحفيات والكاتبات والمثقفات.
رحم الله مريم نرمة روفائيل، التي أثبتت أن الريادة لا تقاس بالشهرة، بل بما يتركه الإنسان من أثر في ضمير وطنه وتاريخ أمته، وأن الكلمة الحرة قد تكون أحيانا أقوى من كل أشكال السلطة، لأنها تبقى حية في ذاكرة الشعوب، جيلاً بعد جيل.

قد يعجبك ايضا