مجلس الشعب السوري المعيّن

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

1/2

هل تحولت سوريا إلى دولة تابعة بواجهة انتقالية؟
ليست خطورة ما جرى في تشكيل مجلس الشعب السوري في أنه مجلس ناقص الشرعية فحسب، بل في أنه يكشف طبيعة النظام الذي يُعاد تركيبه في سوريا تحت اسم “الحكومة الانتقالية”. فالمسألة لم تعد مجرد خلل إجرائي في انتخاب ثلثي الأعضاء، أو تعيين الثلث الأخير من قبل رأس السلطة، بل نحن أمام هندسة سياسية كاملة تُصنع من الخارج، وتُدار من الداخل بواجهات سورية، وتُسوَّق للعالم بوصفها انتقالًا سياسيًا.
لقد قيل إن ثلثي أعضاء المجلس جرى اختيارهم عبر لجان انتخابية ومجموعات محلية، وإن الثلث الأخير عُيّن وفق معيار “الأكفأ” و“الأكثر ملاءمة” للمرحلة. لكن جوهر المسألة لا يكمن في هذه الألفاظ المريحة. فحين تكون اللجان نفسها قد صُنعت أو وُجّهت من السلطة، وحين تكون السلطة ذاتها واقعة تحت نفوذ تركي مباشر، تصبح العملية كلها، انتخابًا وتعيينًا، جزءًا من بنية واحدة: بنية إنتاج مجلس تابع لا يمثل السوريين بقدر ما يمثل التوازنات التي فُرضت عليهم.
وفي الحالتين، سواء جرى الحديث عن انتخاب رمزي لثلثي الأعضاء، أو عن تعيين مباشر للثلث الأخير، فإن النتيجة واحدة: مجلس لا يملك مصدر شرعيته من الشعب، بل من السلطة التي صنعته، ومن القوى الخارجية التي ترعى هذه السلطة وتحدد حدود حركتها. وهنا لا يعود السؤال: من فاز؟ ومن عُيّن؟ بل: من صمّم العملية كلها؟ ومن قرر مسبقًا شكل سوريا القادمة؟
بهذا المعنى، تبدو سوريا اليوم أقرب إلى دولة واقعة تحت احتلال حديث، لا بالصيغة الكلاسيكية القديمة التي كانت تقوم على الجيوش والإدارات الاستعمارية المباشرة، بل بصيغة أكثر تلاؤمًا مع العصر: سلطة محلية، واجهات وطنية، مؤسسات انتقالية، خطاب سيادي، وانتخابات شكلية، لكن القرار العميق يتحرك في اتجاه مصالح القوة الراعية. فالاحتلال في زمننا لم يعد يحتاج دائمًا إلى حاكم عسكري أجنبي يجلس في القصر؛ يكفي أن تُدار مفاصل القرار، والأمن، والتمثيل، والحدود السياسية المسموح بها، من الخارج.
وهنا يظهر الدور التركي بوصفه العامل الأكثر حضورًا في صناعة البنية الجديدة. فتركيا لا تريد سوريا ديمقراطية لا مركزية، ولا تريد نظامًا فيدراليًا يعترف بتعدد القوميات والمكونات، ولا تريد اعترافًا دستوريًا بالقضية الكوردية، لأنها ترى في أي حل ديمقراطي عادل داخل سوريا تهديدًا استباقيًا لبنيتها الداخلية. لذلك تعمل أنقرة على بناء سوريا تابعة، مركزية، مضبوطة، خاضعة لسلطة أيديولوجية وسياسية يمكن استخدامها في مواجهة أي صعود كوردي محتمل.
وليس تشكيل مجلس الشعب إلا حلقة من هذا المشروع. فالمجلس، بالشكل الذي صُمم به، ليس مؤسسة تشريعية مستقلة، بل أداة لإضفاء شرعية على سلطة جاهزة. إنه ليس مجلسًا يراقب الحكومة، بل مجلس يُستدعى ليمنح الحكومة غطاءً قانونيًا. وليس ساحة لصراع البرامج، بل غرفة تصديق على اتجاهات مرسومة مسبقًا. ولذلك فإن الحديث عن “تمثيل” داخل مجلس كهذا يصبح تضليلًا، لأن التمثيل الحقيقي لا يكون داخل مؤسسة لا تملك قرارها.
أما غضّ الطرف الأمريكي والعربي السني عن هذه البنية، فلا يمكن فصله عن المصالح. فواشنطن تنظر إلى سوريا من زاوية ملفات أوسع: النفط والغاز، الأمن الإقليمي، حماية إسرائيل، منع الفوضى المفتوحة، وضبط التوازن مع إيران وتركيا. وبعض الدول العربية السنية تريد سلطة تُبعد النفوذ الإيراني، ولو كانت محمولة على عقل أيديولوجي متشدد، ما دامت لا تهدد مصالحها المباشرة. وهكذا يصبح السوريون، مرة أخرى، مادة في صفقة إقليمية ودولية لا تبدأ من حقوقهم ولا تنتهي عند مستقبل دولتهم.
لكن المفارقة الأعمق أن التوتر التركي–الإسرائيلي لا يعني بالضرورة صراعًا على سوريا وحدها. فتركيا، في قراءتها الاستراتيجية، لا تريد إضعاف إيران إلى حد إسقاط توازنات المنطقة التي تستفيد منها. ورغم التباين المذهبي بين تركيا وإيران، فإن إضعاف إيران جذريًا أو إسقاط نظامها قد يفتح ارتدادات مباشرة على الداخل التركي، وعلى القضية الكوردية تحديدًا. لذلك تبدو الهجمات السياسية التركية على إسرائيل، في جانب منها، رسائل ضغط لا لإشعال حرب مباشرة، بل لوضع حدود للحرب الإسرائيلية على إيران وأدواتها.
من هذه الزاوية يمكن فهم موقف أنقرة من حزب الله وأدوات إيران الأخرى. فتركيا لا تريد بالضرورة أن تُكسر هذه الأدوات كليًا، لأنها تنظر إليها، مثلما تنظر إلى بقايا داعش وبعض الجماعات المتطرفة، بوصفها أوراقًا يمكن توظيفها عند الحاجة، وخاصة في مواجهة أي حراك كوردي قد يعود إلى الساحة بقوة أكبر، وربما بدعم أمريكي أوسع. ولذلك لم يكن منع سلطة الجولاني من الدخول في مواجهة جدية مع حزب الله مجرد تفصيل عسكري، بل جزءًا من حسابات إقليمية أوسع تتصل بالتوازن مع إيران وبالورقة الكوردية.
يتبع…

قد يعجبك ايضا