نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست الأمم العظيمة بما تمتلكه من ثروات مادية فحسب، وإنما بما تحافظ عليه من عقولها وكفاءاتها العلمية. وحين تستهدف هذه العقول، فإن الخسارة لا تكون شخصية أو عائلية فقط، بل تمتد لتصبح خسارة وطن بأكمله، لأن العلماء هم الذاكرة الحية للمستقبل، وهم القادرون على تحويل المعرفة إلى نهضة والتنمية إلى واقع.
ومن بين الأسماء التي بقيت شاهدة على هذه الخسارة المؤلمة في تاريخ العراق، يبرز اسم الشهيد (الدكتور عباس عصفور صافي الكفائي)، الذي تحل ذكراه كل عام لتعيد إلى الأذهان قصة عالم واعد انتهت حياته في ريعان الشباب، بينما كان مشروعه العلمي لا يزال في بداياته.

ولد الدكتور عباس عصفور صافي الكفائي عام 1944 في مدينة #الديوانية، ونشأ في أسرة عرفت بالأصالة والعلم. ومنذ سنوات دراسته الأولى في كلية الطب البيطري بجامعة بغداد، أثبت تميزاً استثنائياً، إذ حافظ على المرتبة الأولى طوال سنوات الدراسة، وتخرج الأول على الجامعة في العام الدراسي 1966-1967. وكان تفوقه محل تقدير رسمي، إذ كرمه رئيس الجمهورية آنذاك عبد الرحمن عارف، كما كرمته وزارة الزراعة، في اعتراف مبكر بما يمثله من مشروع علمي واعد.
ولم يتوقف طموحه عند حدود التفوق الجامعي، بل واصل مسيرته الأكاديمية حتى حصل على شهادة الدكتوراه من إحدى الجامعات الأمريكية المرموقة، وأنجزها خلال نصف المدة المقررة، في إنجاز علمي نادر يعكس حجم قدراته البحثية. ثم عاد إلى العراق عام 1974 ليخدم وطنه أستاذاً لعلم وظائف الأعضاء (الفسلجة) في كلية الطب البيطري بأبي غريب، مساهماً في إعداد أجيال من الأطباء البيطريين، وناشراً لبحوث علمية، ومشاركاً في مؤتمرات دولية مثل فيها العراق خير تمثيل.
لكن مسيرة العلم اصطدمت بمرحلة سياسية قاسية عاشها العراق، حيث تعرض الدكتور عباس عصفور للاعتقال في العشرين من شهر حزيران عام 1980 في مطار بغداد عند توديعه من قبل الاهل لغرض السفر خارج العراق، ثم أُعدم وهو في السادسة والثلاثين من عمره، على خلفية اتهامات سياسية بقيت محل جدل ولم يحسم أمرها تاريخياً بصورة قاطعة.
وبغض النظر عن الملابسات السياسية التي أحاطت بالقضية، فإن الحقيقة الثابتة أن العراق فقد يومها واحداً من أبرز علمائه الشباب. فقد ترك وراءه زوجة حاملاً وأربعة أطفال صغار، قبل أن تولد طفلته الخامسة بعد أيام قليلة من اختفائه، لتنشأ وهي لا تعرف أباها إلا من خلال ذكراه وسيرته.
إن استذكار الدكتور عباس عصفور صافي الكفائي لا ينبغي أن يكون استحضاراً لمأساة شخصية فحسب، بل مناسبة للتأمل في الثمن الباهظ الذي دفعه العراق نتيجة خسارة كفاءاته العلمية عبر عقود طويلة. فالعلماء لا يعوضون بسهولة، والسنوات التي يقضونها في المختبرات وقاعات البحث لا يمكن اختصارها أو استبدالها.
ولو امتد العمر بهذا العالم، فمن المشروع أن نتساءل: كم طالباً كان سيخرج؟ وكم بحثاً كان سينجز؟ وكم إسهاماً علمياً كان سيضيف إلى رصيد العراق العلمي؟ وربما كان اسمه اليوم يتردد في المحافل الأكاديمية العالمية بوصفه أحد أبرز المختصين في علم وظائف الأعضاء، لكن يد العنف أوقفت مشروعاً علمياً قبل أن يبلغ ذروة عطائه.
إن الأمم التي تحترم تاريخها تحفظ أسماء علمائها، لأنهم يمثلون جزءاً من هويتها الحضارية. ومن هنا فإن الوفاء للدكتور عباس عصفور الكفائي هو وفاء لقيمة العلم نفسها، ورسالة تؤكد أن بناء الأوطان لا يتحقق إلا بصيانة الإنسان، واحترام حرية الفكر، وحماية العقول من أن تكون ضحية للصراعات السياسية.
رحم الله الدكتور عباس عصفور صافي الكفائي، وجميع علماء العراق الذين رحلوا قبل أن يكتمل عطاؤهم، وجعل ذكراهم دافعاً للأجيال الجديدة للإيمان بأن العلم هو الطريق الأصدق لبناء وطن يليق بأبنائه.