القوائم الخاسرة بين حق المعارضة وخطر تعطيل الإقليم

احمد كوران

بعد إعلان نتائج انتخابات برلمان إقليم كوردستان لعام 2024 وحصول الحزب الديمقراطي الكوردستاني على 39 مقعداً برزت محاولات لتشكيل تحالف برلماني يضم القوى التي لم تحصل على الأغلبية. ومن حيث المبدأ فإن تشكيل التحالفات البرلمانية حق مشروع تكفله قواعد النظام الديمقراطي والأنظمة البرلمانية إلا أن معيار الحكم على أي تحالف لا يكمن في وجوده بحد ذاته وإنما في أهدافه السياسية وقدرته على إنتاج الاستقرار المؤسسي وخدمة المصلحة العامة.

أولاً: المعارضة ركن أساسي في النظام الديمقراطي

في الأنظمة البرلمانية لا تقتصر الديمقراطية على تشكيل الحكومة بل تقوم أيضاً على وجود معارضة مسؤولة تمارس دورها في الرقابة والمساءلة وتقويم الأداء التنفيذي. فالمعارضة ليست خصماً للدولة وإنما شريك في حماية النظام الديمقراطي من خلال مراقبة السلطة التنفيذية وكشف مواطن الخلل وتقديم البدائل الواقعية.

لذلك فإن انتقال القوى التي لم تحقق الأغلبية إلى موقع المعارضة يمثل ممارسة دستورية طبيعية ما دامت تمارس دورها ضمن الأطر القانونية والمؤسسات الدستورية.

ثانياً: متى تتحول المعارضة إلى عامل تعطيل؟

تكمن الإشكالية عندما يتحول التحالف السياسي من مشروع رقابي إلى مشروع يهدف إلى إطالة أمد تشكيل الحكومة أو تعطيل عمل المؤسسات دون تقديم بديل حكومي واضح.

وفي هذه الحالة لا يكون المتضرر هو الحزب الفائز أو الأحزاب الأخرى بل المواطن الذي منح صوته من أجل إنتاج سلطة قادرة على إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية والسياسية.

ومن الناحية السياسية فإن استمرار الانسداد قد يقود إلى ثلاث نتائج رئيسية:

* إطالة أمد تشكيل الحكومة وتأخير استكمال المؤسسات الدستورية.
* إضعاف موقف الإقليم في الملفات المشتركة مع الحكومة الاتحادية ولا سيما الموازنة والرواتب والطاقة.
* تراجع ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية عندما تتحول الانتخابات إلى بداية أزمة سياسية بدلاً من أن تكون مدخلاً للاستقرار.

وفي المقابل فإن الحزب الفائز يتحمل مسؤولية سياسية لا تقل أهمية تتمثل في إدارة مرحلة المفاوضات بروح الشراكة والانفتاح وتقديم ضمانات تعزز الثقة بين القوى السياسية لأن نجاح الديمقراطية لا يقوم على منطق الغلبة وحده وإنما على القدرة على بناء توافقات مستقرة.

ثالثاً: شرعية التحالفات في ضوء علم السياسة والقانون الدستوري

لا تُقاس شرعية أي تحالف سياسي بعدد أطرافه وإنما بالأسس التي يقوم عليها.

وتستند التحالفات المستقرة في الأنظمة البرلمانية إلى ثلاثة عناصر رئيسية:

* الإرادة الحرة في اتخاذ القرار السياسي.
* الشفافية في إعلان الأهداف والبرامج.
* المسؤولية السياسية أمام المواطنين وإمكانية مساءلة أطراف التحالف عن تعهداتهم.

وعندما تضعف هذه العناصر يتحول التحالف من مشروع للحكم إلى أداة لإدارة الصراع السياسي وهو ما ينعكس سلباً على استقرار المؤسسات وثقة الرأي العام.

كما أن قوة أي تحالف لا تقاس بقدرته على منع الآخرين من تشكيل الحكومة وإنما بقدرته على تقديم برنامج حكومي واضح وقابل للتنفيذ يحظى بثقة البرلمان والرأي العام.

رابعاً: تحالف التوازن والإحياء بين الاستحقاق البرلماني واختبار المسؤولية السياسية

يُعد الحديث عن تحالف التوازن والإحياء جزءاً من الحراك السياسي الطبيعي الذي تشهده الأنظمة البرلمانية بعد الانتخابات.

غير أن المعيار الحقيقي لتقييم هذا التحالف لا يرتبط بأسماء أطرافه وإنما بالإجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية:

* هل يمتلك برنامجاً حكومياً واضحاً يعالج التحديات الاقتصادية والإدارية؟
* هل يهدف إلى تشكيل حكومة مستقرة أم إلى إطالة أمد المفاوضات؟
* هل يقدم بديلاً سياسياً قابلاً للتطبيق أم يقتصر على منع الطرف الفائز من قيادة المرحلة المقبلة؟

فإذا استطاع التحالف تقديم رؤية متكاملة للحكم ضمن السياقات الدستورية، فإنه يمثل ممارسة سياسية مشروعة. أما إذا انحصر دوره في تعطيل تشكيل الحكومة دون تقديم بديل عملي فإنه يخاطر بتحويل المنافسة الديمقراطية إلى أزمة مؤسساتية يدفع ثمنها المواطن قبل القوى السياسية.

خامساً: استقرار الإقليم وسيادة القرار

تؤكد التجارب المقارنة أن استقرار الحكومات يمثل أحد أهم عناصر قوة الأقاليم والأنظمة اللامركزية في التفاوض وإدارة الملفات الاقتصادية والسياسية.

ومن هذا المنطلق فإن استقرار إقليم كوردستان لا يخدم طرفاً سياسياً بعينه بل يعزز قدرة مؤسساته على إدارة الملفات المشتركة مع الحكومة الاتحادية وجذب الاستثمار وحماية المصالح العامة.

وفي المقابل، فإن استمرار الانقسام السياسي لفترات طويلة يضعف فاعلية المؤسسات ويؤخر معالجة القضايا التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

الخاتمة

إن احترام نتائج الانتخابات لا يعني منح أي طرف حق الانفراد بالحكم كما أن تشكيل التحالفات البرلمانية لا يمثل بحد ذاته خروجاً على المسار الديمقراطي. وإنما يبقى المعيار الحاسم هو مدى التزام جميع القوى السياسية بالقواعد الدستورية وقدرتها على تحويل نتائج الانتخابات إلى حكومة مستقرة أو معارضة مسؤولة تعمل من داخل المؤسسات.

ويبقى السؤال الأهم في المرحلة المقبلة: هل ستتمكن القوى السياسية من توظيف تحالفاتها لإنتاج حكومة تمتلك برنامجاً واضحاً وقابلاً للمساءلة أم أن الخلافات ستقود إلى إطالة أمد الانسداد السياسي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد شكل الحكومة المقبلة فحسب بل ستحدد أيضاً قدرة إقليم كوردستان على الحفاظ على استقراره السياسي وتعزيز مكانته الدستورية وخدمة مواطنيه.

قد يعجبك ايضا