د. خليل مصطفى عثمان
تتجه الأنظار في إقليم كوردستان نحو تحالف “التوازن والازدهار” الناشئ بين الاتحاد الوطني الكوردستاني وحراك الجيل الجديد، بوصفه محاولة لقلب موازين القوى السياسية التقليدية في اقليم كوردستان العراق، إلا أن القراءة العميقة في جينات هذا الاتفاق تكشف عن شروخ بنيوية ومكامن خلل قد تحوله من أداة للتغيير إلى عامل لتكريس الأزمات.
إن مكمن الخلل الأول والأبرز في هذه الشراكة يتجسد في التناقض الأيديولوجي الحاد بين القطبين؛ فالأول حزب سلطة تقليدي يمتلك عمقاً عسكرياً ومؤسساتياً واقتصاداً حزبياً ريعياً، في حين أن الثاني حراك مدني شعبوي بنى كامل شرعيته السياسية على ادعاء “مناهضة الأحزاب الكلاسيكية واتهامها بالفساد”.
هذا التضارب الفكري يضع التحالف في مهب الريح أمام أول اختبار لتقاسم النفوذ أو إدارة المؤسسات الخدمية، كما أنه يهدد جبهة “الجيل الجديد” بخسارة قاعدته الجماهيرية الغاضبة التي قد ترى في هذا الاتفاق انخراطاً في المنظومة التي خرجت ضدها. وعلاوة على ذلك، يظهر انعدام التوازن في أدوات القوة كخلل بنيوي إضافي، فالتحالف يجمع بين طرف يمتلك السلاح والمال والأجهزة الأمنية، وطرف آخر لا يملك سوى الخطاب الإعلامي والمقاعد البرلمانية، مما يجعل الأخير عرضة للتبعية السياسية في لحظات الخلاف الحقيقي والقرارات المصيرية.
تتجاوز تداعيات هذه العيوب البنيوية حدود الطرفين الموقّعين لتفرض مخاطر استراتيجية كبرى على الكيان الدستوري لإقليم كوردستان ككل. ويأتي في مقدمة هذه المخاطر تعميق الانقسام الجغرافي والإداري والسياسي في اقليم كوردستان العراق، مما يهدد بنسف الجهود الدولية والإقليمية الرامية لتوحيد قوات البيشمركة والمؤسسات الحكومية، ويدفع باتجاه تكريس نظام “الإدارتين” بحكم الأمر الواقع.
كما أن هذا التحالف، باندفاعه نحو التنسيق المنفرد مع بغداد في ملفات شائكة مثل “توطين الرواتب” والموازنة، يمنح المركز فرصة استراتيجية لتطبيق سياسة “فرق تسد”، وقضم الصلاحيات السيادية للإقليم عبر التعامل معه كمحافظات متفرقة وليس ككيان فيدرالي موحد. ويضاف إلى ذلك خطر الشلل التشريعي والحكومي؛ حيث يتوقع أن يؤدي الاستقطاب النيابي الجديد إلى استعصاء سياسي ممتد يعطل تشكيل الحكومات ويمس مباشرة بمستوى الخدمات والاستقرار المجتمعي، فضلاً عن خطورة الفوضى الأمنية في حال انهار التحالف وتصادمت الرغبة الشعبوية في تحريك الشارع مع القبضة الحديدية لأجهزة السلطة في السليمانية.
أمام هذه التحديات والمخاطر، تبرز خيارات ما بعد التحالف لترسم ملامح المرحلة المقبلة في كوردستان ضمن مسارات أوسع وأكثر تعقيداً. الخيار الأول يتمثل في “التوافق الإجباري الهش”، حيث يجد الحزب الديمقراطي الكوردستاني نفسه مدفوعاً للقبول بالأمر الواقع وتقديم تنازلات واسعة للتحالف الجديد عبر منحها مناصب سيادية حقيقية وتعديل آليات اتخاذ القرار؛ غير أن هذا الخيار لن يقود إلى استقرار حقيقي، بل إلى حكومة مشلولة داخلياً، تعيش على حافة الانهيار عند كل تقاطع مصالح، حيث سيتحول مجلس الوزراء إلى ساحة تصفية حسابات بدلاً من إدارة شؤون المواطنين.
أما الخيار الثاني فيذهب باتجاه “الانفصال الإداري والمالي الفعلي كاملاً”، وفيه يتمسك التحالف الجديد بربط مالية واقتصاد السليمانية ببغداد كلياً في حال رفضت أربيل شروطه، مما يقود إلى تقسيم الإقليم إلى كيانين منفصلين جغرافياً وسياسياً؛ وهو مسار يستبدل الفيدرالية الكوردستانية بنظام “المحافظات اللامركزية التابعة للمركز”، مما يفرغ الكيان الكوردي من محتواه القومي والقانوني.
في حين يتلخص الخيار الثالث في “الانهيار الذاتي والعودة إلى الاستعصاء الصفري”، وهو المسار المتوقع عندما تصطدم العقلية الرأسمالية والمزاجية للجيل الجديد بالواقعية الأمنية والبيروقراطية للاتحاد الوطني عند توزيع غنائم السلطة والمناصب التنفيذية، مما يدفع بالحراك للانسحاب والعودة إلى خندق المعارضة مجدداً، ليدخل الإقليم في فراغ دستوري طويل وتشظٍ سياسي غير مسبوق. في محصلة هذه الخيارات والمسارات، يتجلى بوضوح أن الخاسر الأكبر والوحيد من هذه المناورات السياسية هو مواطن الإقليم وكيانه السياسي الدستوري.
إن المواطن الكوردي، الذي أرهقته سنوات الأزمات الاقتصادية وتأخر الرواتب وتراجع الخدمات، يجد نفسه مجدداً وقوداً لصراع إرادات حزبي لا ينعكس على واقعه المعيشي؛ بل إن تحويل قوته اليومي (عبر ورقة التوطين) إلى أداة للمزايدة والمقايضة السياسية يهدد أمنه المعيشي على المدى الطويل، ويجعله رهينة للتوافقات المتقلبة بين أربيل وبغداد والسليمانية.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، فإن الكيان السياسي لإقليم كوردستان، الذي تأسس بتضحيات وعقود من النضال وحُصّن بالدستور العراقي لعام 2005، يتعرض اليوم لأكبر عملية قضم وتفتيت من الداخـل؛ فالصراع الممتد وتحالفات المصلحة المؤقتة تُضعف الموقف التفاوضي الكوردي في بغداد، وتغري القوى الاتحادية بمواصلة تقليص صلاحيات الإقليم الدستورية وتجريده من خصوصيته الفيدرالية، ليتحول الكيان من صيغة “شبه دولة” معترف بها دولياً إلى مجرد مقاطعات إدارية متناحرة تسعى كل منها لاستجداء موازنتها من العاصمة، مضحيةً بالمنجز التاريخي للقضية الكوردية مقابل مكاسب حزبية آنية.