كردستان العراق ..بين السلفية التكفيرية ودعم السلطات لها

محمد فاتح حامد

بينما يشهد العالم الإسلامي في الآونة الأخيرة موجة ملحوظة من التحول نحو الوسطية والاعتدال، وإعادة مراجعة الخطابات المتشددة لتقديم صورة أكثر إنسانية وتسامحاً للدين ــ وتقف في مقدمة هذا التحول خطوة رائدة تشهدها دول كانت تُحسب تاريخياً على التيارات الأكثر تحفظاً ــ نجد في المقابل معادلة غريبة ومثيرة للقلق تأخذ مجراها في إقليم كوردستان العراق.
فبالرغم من القفزة العمرانية، ومظاهر الانفتاح المدني في الإقليم، إلا أن هناك تياراً خفياً وسامّاً ينمو في أحشائه؛ تمثله الأفكار الوهابية والسلفية التكفيرية التي باتت تجد لها موطئ قدم وسيعاً بين فئات من المجتمع، لتنفث سموم التطرف والكراهية، وتكفّر المخالفين بناءً على الأهواء والأدلجة الضيقة.
إن جوهر الدين الإسلامي وقيم الإنسانية تتجلى بوضوح في تلك المقولة الخالدة للإمام علي بن أبي طالب حين قال: “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”.
هذه القاعدة الروحية والإنسانية العميقة هي ما يحتاجه إقليم كوردستان اليوم لمواجهة خطابات الإقصاء والتبديع والتفسيق التي يروج لها دعاة الفكر المتشدد، والذين يحاولون تمزيق النسيج الاجتماعي المتنوع للإقليم.
ومع ذلك، فإن المعضلة الأكبر لا تكمن فقط في وجود هؤلاء المتطرفين، بل في الشبهات والاتهامات التي تحوم حول الدعم والمهادنة التي يلقونها من قِبل السلطات الحاكمة في الإقليم.
ويرى مراقبون أن غض الطرف عن تمدد هذا الفكر، أو توظيفه سياسياً لضرب قوى مجتمعية أو سياسية معينة، يُعد مغامرة كبرى بمستقبل الإقليم.
إن استخدام ورقة التطرف الديني لتحقيق مصالح سياسية أو شخصية ضيقة وضمان مكاسب آنية، هو بمثابة اللعب بالنار على حساب مصير أجيال كاملة.
لقد حان الوقت لتدرك سلطات إقليم كوردستان أن الأمن المستدام لا يتحقق بالبناء والإنماء الاقتصادي وحده، بل بحماية العقول وتحصين المجتمع. إن استمرار تمدد الفكر السلفي التكفيري والوهابي تحت مرأى ومسمع الجهات الرسمية سيقوض السلم الأهلي عاجلاً أم آجلاً.
لذا، بات من الضروري والملحّ اتخاذ خطوات حاسمة و وضع حد صارم لخطاب الكراهية والتكفير الذي يبثه بعض من يرتدون عباءة الدين في الإقليم وتفعيل القوانين التي تحظر التحريض وإقصاء الآخر، ومحاسبة المنظرين للفكر المتشدد وإصلاح الخطاب الديني عبر مؤسسات الإقليم الرسمية ليعود إلى خطه الوسطي السليم المتوافق مع الطبيعة المتسامحة للمجتمع الكوردستاني.
إن حماية مستقبل كوردستان تتطلب شجاعة سياسية واجتماعية لاجتثاث بؤر التطرف الفكري، وتغليب مصلحة الأجيال القادمة على أي حسابات سياسية مقيتة، ليبقى الإقليم منارة للتعايش والانفتاح كما يُراد له أن يكون.

قد يعجبك ايضا