في الأمومة تتجلى ذروة التضحية

أ. د. عبد الجبار الرفاعي

الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أنتتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبهامفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشنيصبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق،وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانهانحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أنحياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلاأصحاب الإرادة الاستثنائية

بعد قريتنا نحو ستة كيلومترات عن أقرب مدرسةابتدائية تأسست سنة 1960. كنتُ ومجموعة منأقراني من المحظوظين حين أصبحنا تلامذةً فيالصف الأول الابتدائي في العام الثاني لتأسيسمدرسة المتنبي الابتدائية. لولا هذه المدرسة لبقيناأسرى مهنة الرعي، الذي كان يرسم ملامح الطفولةالريفية يومئذٍ، حيث يرث الصغار نمط حياة آبائهمفي زراعة الأرض وتربية الماشية.

فتحت المدرسة أمامنا نافذة على عالم أوسع، وأيقظتوعيًا جديدًا بالمعرفة والحياة. كنا نقطع يوميًا اثنيعشر كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، نسير حفاةً على دربترابي ضيق بين الحقول. لم يكن ذلك المشوار مجردطريق إلى المدرسة، وإنما عبور من عالم الأمية إلىعالم المعرفة. مع كل خطوة كنا نبتعد عن حياةورثناها، ونقترب من أفق يعيد تشكيل رؤيتنا للذاتوالعالم. هكذا تحوّل الطريق المتعب إلى رمز للانتقالمن قدر يبدو محتومًا إلى مستقبل مفتوح علىإمكانات لم نكن نتخيلها.

الأمهات كنّ الأكثر إرهاقًا في حياة الريف، لتعددالمسؤوليات التي ينهضن بها. رحلة كدحهن تبدأ معالفجر، حين تخوض الأم مياه الجداول الباردة فيأيام الشتاء، حاملةً أبناءها إلى الضفة الأخرىليواصلوا سيرهم مشيًا إلى المدرسة. ما إن تنجزهذه المهمة حتى تلتحق بأعمال الحقل إلى جانبالأب، فتشارك في الفلاحة وسائر الأعمال الزراعيةالشاقة، ثم تعود لتتابع شؤون الأسرة وإعداد الطعامالبسيط.

الأم عماد الأسرة ومصدر تماسكها، تحمل أعباءًثقيلة بصبر استثنائي، وتواجه قسوة الحياة بجلَدصامت، مانحةً أبناءها ما يحتاجونه من رعاية ودفءوأمان، على الرغم من المشقة التي تستنزف طاقتها. بعض الأمهات واجهن أقدارًا موجعة حين فقدنأزواجهن بالموت، أو القتل الذي لم يكن نادرًا فيالقرى آنذاك. وجدت الأم نفسها وحيدة في رعايةالأيتام وتأمين معيشتهم وحمايتهم من الجوع.

كانت تحمل هذه الأعباء بصبر مدهش، وتواصلحياتها بقوة تستمدها من محبتها لأبنائها وشعورهابالمسؤولية تجاههم، فتغدو تجسيدًا للتضحيةالصامتة التي تترك أثرها العميق في حياة الأبناءومستقبلهم. من الصور الكئيبة الراسخة في ذاكرتيصورة جارتنا التي قُتل زوجها وترك لها أربعة أولادوبنتًا في سن الطفولة. لم يترك أرضًا ولا ماشيةً ولامالًا، فقد عاش فقيرًا ورحل فقيرًا.

وجدت الأم نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياةوإعالة أطفالها، غير أنها لم تنكسر أمام محنتها،وإنما اهتدت بذكاء فطري وإرادة صلبة إلى ما يوفّرالحد الأدنى من قوت الأبناء ونفقاتهم اليسيرة حدّالكفاف. تذهب هذه السيدة يوميًا إلى منطقة كثيفةالأشواك، تبعد نحو ساعة سيرًا على الأقدام،فتقضي ساعات في قطع الشوك وجمعه وإحراقهحتى يتحول إلى فحم. تراقب النار والجمر بعناية،وتحمل الماء من الجدول القريب كي لا يتحول ماجمعته إلى رماد، كي تبيعه لتؤمّن قوت أطفالها.

لم يكن ذلك مجرد عمل شاق، وإنما كفاح امرأةوحيدة في مواجهة الفقر، تنتزع بصبرها وإرادتهامن أرض قاسية ما يحفظ لأبنائها الحد الأدنى منالعيش. تكابد هذه السيدة ذلك العمل المرهق بصمت،وتحوّل كدحها اليومي إلى مورد رزق يحمي أبناءهامن الفاقة. بعد اكتمال تفحّم الشوك تجمعه وتحملهإلى القرية، ثم تنطلق في اليوم التالي إلى مدينة قلعةسكر، حاملةً على رأسها نحو خمسة عشر كيلوغرامًامنه، قاطعةً، سيرًا على الأقدام، ما يقارب ثلاثينكيلومترًا ذهابًا وإيابًا. تبيع الفحم لتشتري بثمنه مايسد الرمق لأيام قليلة، ثم تعود عند المغيب لتستأنفدورة الكفاح نفسها.

كلما استعدت صورتها أدركت كيف استطاعتأمهات فقيرات أن ينتزعن من قسوة الحياة ما يصونأبناءهن من الجوع ويحمين كرامتهن من التسوّل،بقوة الإرادة وصبر يعجز الوصف عنه. ظل مشهدهامن أكثر صور الطفولة مرارة في ذاكرتي، لأنه كانيلخّص حكاية أمهات كثيرات حملن أعباء الحياةبصمت وجَلَد نادر نيابة عن الأبناء، كل ذلك من أجلأن تؤمّن لأطفالها ما يسد رمقهم. كلما استحضرتصورتها أدركت حجم التضحيات التي قدّمتها أمهاتالريف بصمت، وكيف غدت إرادتهن سندًا خفيًا حمىأسرًا كثيرة من التصدع والانهيار، في زمن كانتالحياة فيه أكثر قسوة، ولا يهب العيش للإنسان شيئًاإلا بعد كفاح يومي شاق.

على الرغم من الشقاء الاستثنائي الذي عاشته هذهالأم، لم يكن الفقر أقسى ما واجهته. كان أحدأبنائها شديد العدوانية، يؤذيها بالصراخ الغاضبوالضرب، ويقابل تضحياتها بالجفاء. ما زلت أذكرمشاهد موجعة شجّ فيها رأس أمه بالفأس أكثر منمرة، فتخرج مذعورة تستغيث بأخي الكبير شريفأبو عادل“. كان مؤلمًا أن ترى أمًا تستنزف عمرهامن أجل أبنائها، ثم تتلقى من أحدهم أسوأ أشكالالاحتقار والعنف.

حظي أبو عادل بمكانة خاصة بين أهل القرية، لماعُرف به من إيمان واستقامة ونزاهة، ولأنه علّم نفسهالقراءة والكتابة في بيئة ندر فيها مَن يقرأ ويكتب. كلما استغاثت به تلك الأم المفجوعة سارع إلىنجدتها، يواسيها ويزجر ابنها ويذكّره بحق أمه. كانأبو عادل يشفق على هذه الأم المفجوعة ويهدئ منروعها، ثم يجلس إلى ابنها محاولًا أن يوقظ فيضميره الندم ويذكّره بحق أمه. كان الفتى يهدأأيامًا، ثم يعود إلى عنفه وعنفه. كلما استغاثت به أمههبّ لمواساتها وتجديد محاولاته في توجيهه. حينأستعيد تلك المواقف أدرك أن بعض الأمهات لم يقعنفي محنة الفقر وحده، وإنما وقعن ضحايا عقوقًايوجع القلب، واحتملن ذلك بصبر يكاد لا يعرفحدودًا.

الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أنتتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبهامفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشنيصبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق،وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانهانحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أنحياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلاأصحاب الإرادة الاستثنائية. لم يلفتني حجم ماعانته بقدر ما لفتني إصرارها على حماية أطفالهاوصون كرامتهم في أقسى الظروف. ستبقى صورتهاحيّة في ذاكرتي، لأنها تجسد أعمق ما تختزنه بعضالأمهات من طاقة على التضحية، وكيف تنتصر قوةالمحبة على الفقر والألم والجحود.

حين أتأمل سلوك هذا الابن اليوم أميل إلى أنه لميكن عاقًا بطبعه، وإنما كان يحمل جروحًا نفسيةعميقة خلّفها قتل الأب والحرمان المبكر، وهذا يعنيأنه كان بحاجة إلى عيادة نفسية. في ذلك الزمان لميعرف الناس شيئًا عن العلاج النفسي، فكانوايفسرون مثل هذا السلوك على أنه سوء تربية، أوفساد أخلاق، أو مسّ من الشيطان. لا أريد أن أبررعنفه تجاه أمه، غير أن ذلك يفسر جانبًا من سلوكه،ويكشف عن معاناة داخلية لم يجد من يفهمها أويساعده على تجاوزها.

قد يعجبك ايضا