“16 آب 1946 .. يومٌ وُلد فيه الحزب وَوُلد فيه القائد وبدأت حكاية وطن”

كاوه عبان

16 آب 1946 .. حين جمع التاريخ بين ميلاد حزب عريق وميلاد قائد

هناك أيامٌ لا يملك التاريخ أن ينساها لأنها لا تُسجَّل في صفحات الكتب فحسب بل تُكتب في وجدان الشعوب وتبقى حاضرةً في ذاكرة الأجيال والـ16 من آب 1946 واحدٌ من تلك الأيام التي لم تكن مجرد تاريخ بل كانت لحظةً فارقةً في مسيرة أمةٍ حملت حلمها عبر الجبال والمنافي والسجون والمقابر ورفضت أن تنحني أمام عواصف التاريخ.

في ذلك اليوم، وُلد الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليكون إطارًا سياسيًا لنضالٍ طويل من أجل حقوق الشعب الكوردي وكرامته وهويته ومستقبله وفي اليوم ذاته، وفي مدينة مهاباد، وُلد الرئيس مسعود بارزاني القائد الذي حمل اسم والده البارزاني الخالد، قبل أن يحمل بعد عقود مسؤولية تاريخية وسياسية جعلت اسمه حاضرًا في واحدة من أكثر مراحل تاريخ كوردستان حساسيةً وتحولًا.

ومنذ ذلك اليوم بدأت حكاية سياسية ونضالية امتدت لعقود عرفت فيها كوردستان الانتصارات والانكسارات الجبال والثورات، المآسي والانتفاضات، الدماء والتضحيات، وصولًا إلى مرحلة بناء المؤسسات وترسيخ التجربة السياسية لإقليم كوردستان.

إنها حكاية حزبٍ ارتبط اسمه بتاريخ الحركة السياسية الكوردية وحكاية قائدٍ ولد في عام تأسيس ذلك الحزب ثم سار عبر عقود من التاريخ ليصبح واحدًا من أبرز الشخصيات السياسية الكوردية في العصر الحديث.

من بغداد بدأت الحكاية:

في ال16 من آب 1946، وفي ظروف سياسية بالغة التعقيد انعقد المؤتمر التأسيسي للحزب في بغداد.

كان العراق آنذاك يعيش مرحلة مختلفة تمامًا عن عراق اليوم وكانت القضية الكوردية تواجه تحديات كبيرة فيما كانت المنطقة بأسرها تعيش تداعيات الحرب العالمية الثانية والتحولات السياسية التي أعقبتها.

وفي ذلك المؤتمر تأسس الحزب الديمقراطي الكوردي وانتُخب الملا مصطفى بارزاني رئيسًا له، وبذلك انتقلت الحركة الكوردية إلى مرحلة جديدة من التنظيم السياسي وأصبح للحركة إطار حزبي يسعى إلى الدفاع عن الحقوق القومية والسياسية للشعب الكوردي.

لقد كان تأسيس الحزب خطوة في مسيرة طويلة، لكنه لم يكن خطوة عابرة فقد استطاع الحزب أن يصبح عبر العقود، أحد أهم الفاعلين السياسيين في تاريخ كوردستان والعراق.

وفي مهاباد .. وُلد القائد مسعود بارزاني:

وفي اليوم ذاته الذي كان فيه المؤتمر التأسيسي للحزب يُعقد في بغداد كانت مدينة مهاباد كوردستان الشرقية في ايران تشهد حدثًا آخر. هناك، في ظل جمهورية كوردستان وُلد الرئيس مسعود مصطفى بارزاني.

كانت مهاباد آنذاك مركزًا مهمًا للحركة السياسية الكوردية وكان الملا مصطفى بارزاني قائدًا عسكريًا بارزًا في جمهورية كوردستان.

وهكذا شاءت الأقدار أن يجتمع في يوم واحد:

ميلاد حزبٍ سيصبح أحد أعمدة السياسة الكوردستانية وميلاد قائدٍ سيصبح لاحقًا أحد أبرز رموز ذلك الحزب و الحركة السياسية الكوردية.

ولعل هذه المصادفة التاريخية هي التي جعلت 16 آب يحمل في الذاكرة البارزانية والكوردستانية معنى يتجاوز مجرد ذكرى تأسيس حزب.

من البارزاني الخالد إلى الرئيس مسعود البارزاني:

إن الحديث عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني لا يمكن أن ينفصل عن اسم الملا مصطفى بارزاني.

فقد كان البارزاني الخالد أكثر من قائد عسكري كان رمزًا من رموز الحركة القومية الكوردية وشخصية تركت أثرًا عميقًا في الوجدان الكوردي.

لقد حمل الملا مصطفى بارزاني قضية شعبه في ظروف شديدة الصعوبة وانتقل بين ساحات النضال والمنافي والجبال وظل اسمُه مرتبطًا بالدفاع عن الحقوق القومية للكورد.

ومن هذه المدرسة خرج جيل كامل من المناضلين والقادة، وكان من بينهم ابنه الرئيس مسعود بارزاني.

لقد نشأ مسعود بارزاني في ظل تاريخ لم يكن يسمح لطفلٍ أن يعيش طفولة عادية فقد كانت حياة العائلة مرتبطة بالثورة والملاحقة والنفي والعودة والصراع السياسي.

ومع مرور السنوات لم يبقَ الرئيس مسعود مجرد ابن لقائد تاريخي بل شق طريقه بنفسه في صفوف البيشمركة والحركة السياسية حتى أصبح قائدًا للحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيسًا لإقليم كوردستان وشخصية سياسية ذات حضور واسع.

80 عامًا .. والاختبار الأصعب كان البقاء:

عندما نتحدث عن 80 عامًا من عمر الحزب فإننا لا نتحدث عن رقم في التقويم، نحن نتحدث عن 80 عامًا من المآسي التاريخية.

مآسي واجه فيها الكورد حملات القمع والتهجير وسياسات التعريب وتغيير الهوية، والأنفال، والمقابر الجماعية، والقصف الكيميائي، ومن أكثر فصولها مأساوية جريمة قصف مدينة حلبچة بالأسلحة الكيميائية.

لقد كانت تلك الجرائم محاولة ليس فقط لإسكات صوت سياسي وإنما لضرب مجتمع بأكمله وتدمير هويته ووجوده، لكن التاريخ أثبت أن الهوية لا تُباد بالقوة وأن الذاكرة لا تموت عندما تُدفن الأجساد.

فمن بين المقابر الجماعية خرجت إرادة الحياة ومن بين الأنقاض خرجت كوردستان من جديد ومن بين الرماد بقي حلم الشعب الكوردي حاضرًا.

مسعود بارزاني .. حين تصبح القيادة مسؤولية التاريخ:

لقد مرّ الرئيس مسعود بارزاني خلال حياته السياسية بمراحل تاريخية شديدة الحساسية، كان مقاتلًا في صفوف البيشمركة ثم أصبح قائدًا ورمزا سياسيًا ثم رئيسًا للحزب الديمقراطي الكوردستاني ثم رئيسًا لإقليم كوردستان.

وفي كل مرحلة كانت التحديات مختلفة لكن الثابت في صورته السياسية كما يراها الكورد هو التمسك بحقوق الشعب الكوردي وعدم التعامل مع قضية كوردستان باعتبارها ورقة سياسية قابلة للمساومة في كل ظرف، وهنا تكمن رمزية القيادة بالنسبة إلى مؤيديه أن تكون القضية أكبر من المنصب وأن يكون الشعب أهم من السلطة وأن يصبح التاريخ مسؤولية لا امتيازًا.

وقد أكد الرئيس بارزاني في مناسبات عديدة اعتزازه بالبيشمركة وبالدفاع عن أرض كوردستان كما أكد استمراره في العمل من أجل مستقبل الأجيال القادمة، وهذه الفكرة بالذات هي التي ينبغي أن تكون جوهر الاحتفال بذكرى 16 آب “أن نكرّم الماضي ببناء المستقبل”.

الحزب الديمقراطي الكوردستاني .. من ثورات متتالية إلى المؤسسات:

من أهم التحولات التي شهدتها الحركة الكوردية الانتقال التدريجي من مرحلة الثورة المسلحة إلى مرحلة المؤسسات السياسية ولم يكن هذا التحول سهلًا، فقد تطلب بناء تجربة سياسية جديدة الانتقال من منطق مطالبة الحقوق القومية بالثورات إلى منطق الدولة ومن البندقية إلى البرلمان ومن الجبال إلى المؤسسة ومن الثورة إلى الإدارة والحكم.

وكان إقليم كوردستان أمام مسؤولية تاريخية:

كيف يمكن تحويل عقود النضال والتضحيات إلى مؤسسات تحمي حقوق الشعب وتضمن مستقبله؟

ومن هنا جاءت أهمية التجربة السياسية الكوردستانية بعد عام 1991 ثم بعد سقوط النظام العراقي عام 2003 وصولًا إلى تثبيت الإطار الدستوري لإقليم كوردستان ضمن العراق الاتحادي، كوردستان ليست لونًا واحدًا ومن أهم ما يجب التوقف عنده في تجربة إقليم كوردستان هي التعددية. فكوردستان ليست للكورد وحدهم من حيث العيش والمواطنة بل هي وطن لجميع مكوناتها.

الكورد والعرب والتركمان والكلدان والآشوريون والسريان والأرمن والمسلمون والمسيحيون والإيزيديون وغيرهم جميعهم جزء من نسيج هذا الإقليم ولهذا فإن قوة كوردستان لا ينبغي أن تقاس فقط بما تملكه من موارد أو مؤسسات وإنما أيضًا بقدرتها على حماية التنوع.

كوردستان القوية هي كوردستان التي يشعر فيها كل إنسان بأن كرامته مصونة وهويته محترمة ودينه محفوظ ومستقبله آمن، ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ ثقافة التعايش والتسامح والحوار فالتنوع أحد أعظم مصادر قوتها الناعمة.

من الحقوق القومية إلى المشروع الوطني:

إن الأهداف السياسية التي ارتبطت بالحزب الديمقراطي الكوردستاني لم تتوقف عند المطالب القومية بل امتدت إلى رؤية أوسع للعراق وإقليم كوردستان “دولة اتحادية ديمقراطية، سيادة القانون، المواطنة، التعددية السياسية، تداول السلطة بصورة سلمية، احترام الدستور، حل الخلافات بين بغداد وأربيل بالحوار والطرق الدستورية، وحماية حقوق المكونات كافة”.

وهذه المبادئ إذا ما تحولت إلى ممارسة حقيقية، يمكن أن تكون أساسًا لبناء عراق مستقر ومتوازن تكون فيه الشراكة الوطنية أساسًا للعلاقة بين مكوناته.

كوردستان والعالم .. من الجبال إلى الدبلوماسية:

لم تعد القضية الكوردية قضية داخلية محضة فخلال العقود الأخيرة أصبح إقليم كوردستان حاضرًا في الحسابات الإقليمية والدولية وتطورت علاقاته مع العديد من الدول والمنظمات الدولية.

وكانت الحرب على تنظيم داعش محطة مهمة في هذا السياق حيث لعبت قوات البيشمركة دورًا بارزًا في مواجهة التنظيم وبرزت كوردستان أمام المجتمع الدولي باعتبارها شريكًا مهمًا في الحرب على الإرهاب كما عززت علاقات الإقليم مع الدول والمنظمات الدولية مكانته السياسية والاقتصادية والدبلوماسية وهنا تظهر حقيقة مهمة “القضية التي بدأت من الجبال أصبحت اليوم حاضرة في غرف القرار الدولية”.

استفتاء 2017 .. صفحة لن تُنسى:

ويبقى استفتاء 25 أيلول 2017 إحدى أكثر المحطات حساسية في التاريخ السياسي لكوردستان كان الاستفتاء تعبيرًا عن إرادة شعب كوردستان لكنه أدى أيضًا إلى أزمة سياسية وأمنية كبيرة مع بغداد ودول إقليمية.

ومهما اختلفت الآراء حول توقيت الاستفتاء أو نتائجه السياسية فإنه أصبح جزءًا من التاريخ السياسي للكوردستانيين ومحطة لا يمكن تجاوزها عند دراسة مسيرة الرئيس مسعود بارزاني، لقد أظهر الاستفتاء أن قضية تقرير المصير لا تزال حاضرة بقوة في الوعي السياسي والشعبي الكوردي.

ماذا يعني 16 آب اليوم؟

بعد 80 عامًا، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط، ماذا فعلنا في الماضي؟ بل يجب أن نسأل، ماذا سنفعل بالمستقبل؟

فالأجيال التي قدمت التضحيات لم تفعل ذلك لكي يبقى المستقبل أسير الماضي، لقد ناضلت لكي يأتي يوم يعيش فيه أبناؤها بكرامة وأمن ويتعلمون في جامعات متقدمة ويعملون في اقتصاد قوي ويعيشون في مجتمع تحكمه المؤسسات والقانون، ولهذا فإن أعظم تكريم للشهداء والبيشمركة والبارزاني الخالد ليس الكلمات وحدها.

بل “بناء اقتصاد قوي، خلق فرص عمل للشباب، تطوير التعليم، حماية البيئة، تعزيز الصحة، دعم الاستثمار، بناء مؤسسات قوية، محاربة الفساد، وترسيخ التعايش” هذه هي معركة الجيل الجديد.

16 آب .. ذاكرة وطن ومسؤولية مستقبل:

إن ال16 من آب سيبقى يومًا له مكانته الخاصة في الذاكرة الكوردستانية، يوم تأسيس حزب ارتبط بتاريخ طويل من النضال. ويوم ميلاد قائد أصبح لاحقًا أحد أبرز رموز الحركة السياسية الكوردية، لكن القيمة الحقيقية لهذا اليوم لا تكمن في الاحتفال فقط، إنها في الوفاء للمبادئ، واحترام التضحيات، والتعلم من التاريخ، والاستعداد للمستقبل.

فالتاريخ لا يطلب منا أن نعيش فيه وإنما يطلب منا أن نتعلم منه وإذا كان جيل البارزاني الخالد قد حمل راية القضية في الجبال وإذا كان جيل الرئيس مسعود بارزاني قد نقل جزءًا كبيرًا من تلك القضية إلى المؤسسات والسياسة والدبلوماسية فإن مسؤولية الجيل القادم هي أن يحمل كوردستان إلى مرحلة جديدة من التنمية والاستقرار والازدهار.

كلمة أخيرة:

16 آب 1946 ليس مجرد تاريخ في كتاب “إنه ذاكرة شعب، إنه قصة حزب، إنه إرث بارزاني، إنه تاريخ بيشمركة، إنه وجع حلبچة والأنفال والمقابر الجماعية، إنه صمود شعب رفض أن يموت حلمه.

وهو أيضًا مسؤولية جيل جديد يريد أن يرى كوردستان أكثر قوة وأكثر استقرارًا وأكثر ازدهارًا وأكثر حضورًا في العالم، وفي هذه الذكرى نستذكر بإجلال أرواح شهداء كوردستان ونحيي البيشمركة الذين حملوا راية الدفاع عن الأرض ونستذكر البارزاني الخالد الذي ترك إرثًا سياسيًا ونضاليًا عميقًا ونحيي الرئيس مسعود بارزاني الذي ارتبط اسمه بعقود من تاريخ الحركة الكوردية الحديثة.

80 عامًا مضت ..لكن الحكاية لم تنتهِ، فالأحزاب قد تُؤسس في يوم والدول قد تُبنى في عقود لكن الأوطان تُبنى بإرادة أجيال كاملة، ومن 16 آب 1946 إلى اليوم، بقيت الرسالة واحدة “أن يعيش شعب كوردستان بكرامة وأن تُصان هويته وأن تُحترم حقوقه وأن يكون المستقبل أكثر عدلًا وأمنًا وازدهارًا من الماضي”.

16 آب 1946 ذكرى تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني

المجد للشهداء،
والخلود للبارزاني الخالد،
والتحية للبيشمركة،
والسلام والكرامة لكوردستان وشعبها.

*سفير فوق العادة لمنظمة امسام الاممية

قد يعجبك ايضا