محمد علي محيي الدين
حين يُذكر الشعر الكردي الحديث، تتقدم إلى الذاكرة أسماء قليلة استطاعت أن تجمع بين الإبداع الأدبي والنضال الوطني والبعد الإنساني، وكان الشاعر أحمد دلزار واحداً من أبرز هذه الأسماء وأكثرها حضوراً في الوجدان الكردي والعراقي. فقد عاش قرناً من التحولات الكبرى، وشهد الحروب والثورات والمنافي، لكنه ظل وفياً للكلمة الحرة، مؤمناً بأن الشعر ليس زينة لغوية، بل موقف أخلاقي ورسالة إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا والقومية.

وُلد الشاعر أحمد مصطفى محمد الحويزي، المعروف باسمه الأدبي «أحمد دلزار»، عام 1920 في مدينة كوية (كويسنجق)، تلك المدينة التي احتلت مكانة متميزة في الحياة الثقافية الكردية، وأنجبت العديد من الأدباء والعلماء والمفكرين. وفي أجواء هذه المدينة، تشكل وعيه الأول، وتفتحت روحه على حب المعرفة واللغة والإنسان.
نشأ في بيئة محافظة تستند إلى القيم الدينية والاجتماعية الراسخة، فتلقى تعليمه الأول في الكتاتيب، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ اللغة والفقه والأدب. ثم واصل دراسته النظامية في مدارس مدينته، قبل أن تنفتح أمامه آفاق أرحب من الثقافة والمعرفة، الأمر الذي أسهم في بناء شخصية فكرية متوازنة جمعت بين أصالة التراث وروح الحداثة، وبين الانتماء الوطني والانفتاح الإنساني.
بدأ دلزار كتابة الشعر في سن مبكرة، مدفوعاً بحساسية مرهفة تجاه ما يدور حوله من أحداث اجتماعية وسياسية. ولم يكن الشعر بالنسبة إليه ترفاً فنياً، بل وسيلة للتعبير عن آلام الناس وآمالهم. كتب بالكردية والعربية معاً، فكان جسراً ثقافياً بين اللغتين، ومثالاً للمثقف الذي يرى في التنوع اللغوي ثراءً لا تناقضاً. وقد اتسم شعره بعمق إنساني واضح، وبرزت فيه موضوعات الحرية والعدالة والكرامة والهوية، فضلاً عن الحنين الدائم إلى الوطن، وهو الحنين الذي أصبح إحدى السمات الأساسية في تجربته الشعرية.
ومع اتساع حضوره الأدبي، انضم عام 1959 إلى اتحاد الأدباء العراقيين الذي كان يرأسه يومذاك الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، فكان عضواً فاعلاً في الحركة الثقافية العراقية. ثم انتُخب عام 1970 عضواً في الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء الكرد، في اعتراف واضح بمكانته الرفيعة بين أدباء عصره.
غير أن حياة أحمد دلزار لم تكن مسيرة أدبية هادئة؛ فقد جاءت الحرب العالمية الثانية لتفتح أمامه أبواب تجربة إنسانية جديدة. ففي المدة بين عامي 1943 و1946 التحق بالخدمة العسكرية ضمن الجيش الليفي البريطاني في السرية الكردستانية الثامنة، متنقلاً بين الحبانية وبغداد والزبير والشعيبة. وهناك تعرّف إلى وجوه مختلفة من الحياة والثقافات، قبل أن تنقله الأقدار إلى أرض ستترك في نفسه أثراً لا يُمحى: فلسطين.
في أواخر عام 1944 وصل إلى ميناء حيفا، ثم تنقل بين قسطينة ويافا وبيت لحم وطولكرم ومدن فلسطينية أخرى. ولم تكن فلسطين بالنسبة إليه محطة عابرة، بل تجربة إنسانية وروحية عميقة. فقد عاش بين أهلها، وعاين أحلامهم وآلامهم، وتعرّف إلى نضالهم من أجل الحرية والاستقلال. ومنذ ذلك الوقت ارتبط وجدانه بالقضية الفلسطينية ارتباطاً وثيقاً، حتى غدت فلسطين حاضرة في شعره وذاكرته ومواقفه الإنسانية.
وفي مدينة يافا التحق بالقسم الكردي لإذاعة الشرق الأدنى، المعروفة باسم «راديو كردستان»، والتي كانت تُدار آنذاك بإشراف وزارة الخارجية البريطانية. وهناك التقى الشاعر الكردي الكبير عبد الله كوران، لتنشأ بينهما صداقة فكرية وأدبية أثرت تجربته الشعرية وأسهمت في صقل موهبته. وكانت تلك المرحلة نقطة تحول في حياته، إذ فتحت أمامه أبواب العمل الإعلامي والتواصل مع ثقافات وتجارب إنسانية متعددة.
وقد انعكست التجربة الفلسطينية بوضوح في شعره، حتى عُرف لاحقاً بأنه «الشاعر الأممي»؛ لأنه لم يحصر اهتمامه بقضية شعبه وحدها، بل انفتح على قضايا الشعوب الأخرى، مؤمناً بأن الحرية لا تتجزأ، وأن معاناة الإنسان واحدة مهما اختلفت اللغات والأوطان.
وظلت علاقته بفلسطين حية حتى سنواته الأخيرة، وتجسد ذلك في صداقته الثقافية والإنسانية مع السفير الفلسطيني في إقليم كردستان نظمي حزوري، الذي وصفه في أكثر من مناسبة بأنه صوت للحرية والعدالة وصديق حقيقي لفلسطين. كما أكدت القنصلية الفلسطينية في أربيل أن دلزار لم يكن متضامناً مع القضية الفلسطينية فحسب، بل عاش تفاصيلها وكتب عنها بصدق ومحبة.
وبعد انتهاء الحرب عاد إلى كردستان، حيث انخرط منذ أواخر الأربعينيات في العمل السياسي والنضال الوطني. وقد دفع ثمناً باهظاً لمواقفه، إذ قضى سنوات طويلة متنقلاً بين السجون والمعتقلات والمنافي. غير أن هذه التجارب القاسية لم تكسر إرادته، بل زادت شعره عمقاً وإنسانية، فغدت قصائده مرآة لمعاناة الإنسان وتوقه الدائم إلى الحرية.
وإلى جانب نشاطه الأدبي والسياسي، واصل تطوير معارفه العلمية، فحصل على دبلوم عالٍ من العاصمة البلغارية صوفيا في مجالات التاريخ والفلسفة والاقتصاد السياسي والحركة العمالية العالمية، وهو ما أضفى على تجربته الفكرية أبعاداً معرفية واسعة انعكست في نتاجه الأدبي.
وكان دلزار رفيقاً للشاعر الكردي الكبير دلدار، صاحب نشيد «أي رقيب» الذي أصبح النشيد القومي للكرد، وقد جمعتهما رؤية مشتركة تؤمن بحرية الإنسان وكرامته. وأسهم أحمد دلزار في إثراء المكتبة الكردية بعشرات القصائد والنصوص التي مزجت بين الرمزية والواقعية، وبين التأمل الفلسفي والتجربة الإنسانية.
ومن أبرز أعماله قصيدة «دل ودلزار» التي كتبها في فلسطين سنة 1945، وجاءت في صورة حوار رمزي بين الشاعر وقلبه، لتُعد من النصوص المؤسسة للشعر الرمزي الكردي الحديث، وتجسيداً عميقاً لمشاعر الغربة والحنين والبحث عن الوطن.
وظل الشاعر متمسكاً بالكلمة حتى أيامه الأخيرة، فكتب آخر قصائده في الخامس عشر من آذار عام 2021، وكأنه كان يودع الحياة بالشعر الذي عاش من أجله. وفي العاشر من نيسان من العام نفسه رحل عن عمر تجاوز المئة عام، فشيعته الجماهير الكردستانية وشارك في وداعه المسؤولون والمثقفون وأبناء شعبه، اعترافاً بمكانته بوصفه واحداً من أعمدة الثقافة الكردية الحديثة.
وقد دعا عدد من المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي إلى تخليد اسمه بإطلاقه على أحد شوارع أربيل أو إنشاء متحف خاص يوثق سيرته وإرثه الأدبي، وهو تكريم يليق بشاعر جعل من حياته جسراً بين الأدب والنضال، وبين الوطن والإنسانية.
رحل أحمد دلزار جسداً، لكن صوته الشعري ما يزال حاضراً في وجدان الأجيال، يذكّرهم بأن الكلمة الحرة أقوى من السجون، وأن الشعر الحقيقي لا يموت، لأنه يتحول مع الزمن إلى ذاكرة شعب وضمير أمة. لقد كان أكثر من شاعر؛ كان مشروع إنسان آمن بالحرية، وجعل من القصيدة وطناً لا تحده الحدود.