الدكتور كريم شمخي جبر
إن الحديث عن صناعة المجتمع لا يمكن أن يكون مجرد حديث تقني عن المؤسسات أو القوانين أو التقسيمات الإدارية، بل هو حديث في الجوهر عن الإنسان نفسه، فالمجتمع ليس مجموعاً بارداً من المباني والطرقات، بل هو كيان حي نابض تتشكل ملامحه من خلال العلاقات الإنسانية التي تنظم تفاعل أفراده، ولا يوجد ضامن أقوى لصلابة هذه العلاقات وحسن سيرها من الاعتراف المطلق بحقوق الإنسان، فالبناء المجتمعي الحقيقي يبدأ من اللحظة التي يشعر فيها كل فرد بأن له قيمة مستقلة، وأن كرامته مصونة، وأن صوته مسموع، وأن الفرصة متاحة له للمشاركة في تحديد مصيره ومصير وطنه، وأي مشروع نهضوي يتجاهل هذا الأساس المتين يتحول بسرعة إلى مجرد واجهة زائفة تنهار عند أول هزة، لأن الأفراد الذين يشعرون بالتهميش والقمع لا يمكن أن يكونوا لبنات صالحة في أي صرح حضاري. وإذا نظرنا إلى المجتمعات المتقدمة، نجد أن سر تقدمها لا يكمن في ثرواتها الطبيعية أو عدد سكانها، بل في قدرتها على استثمار طاقات أبنائها من خلال خلق بيئة تحترم الحريات الأساسية، فحرية التفكير والتعبير هي التي تفتح الباب أمام الإبداع والابتكار، لأن العقل البشري لا ينتج أفكاراً مبدعة في أجواء الخوف والترقب، بل يحتاج إلى مناخ من الأمان الفكري يشجعه على طرح الأسئلة والبحث عن حلول جديدة للمشكلات القديمة، والمجتمع الذي يضمن لمواطنيه حق التعليم الجيد والصحة اللائقة والعمل الكريم يكون قد وضع قدمه على أول الطريق نحو الاكتفاء الذاتي والتنمية المستدامة، فالإنسان السليم المتعلم القادر على كسب عيشه بكرامة هو الإنسان المنتج الذي يدفع عجلة الاقتصاد ويخفف الأعباء عن مؤسسات الدولة، وبالتالي تتحقق العدالة الاجتماعية التي هي لب حقوق الإنسان وروحها. كما أن احترام حقوق الإنسان يعمل على بناء جسور من الثقة بين المواطن والدولة، وهذه الثقة هي أثمن ما تملكه أي أمة، لأن غيابها يؤدي إلى حالة من الاستقطاب والصراع، حيث يشعر الناس أن القوانين وضعت لخدمة فئة دون أخرى، أو أن المؤسسات تعمل لصالح من في الحكم دون المحكومين، وهنا ينهار النسيج الاجتماعي، وتنتشر ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ويعم الإحساس بالغربة حتى داخل الوطن، بينما في ظل دولة القانون التي تحمي الحقوق، يصبح المواطن شريكاً في القرار، وليس مجرد متلقٍ للأوامر، وهذا الشعور بالشراكة يخلق نوعاً من الانتماء العميق الذي يدفع الجميع إلى العمل من أجل الصالح العام، ويحفز على دفع الضرائب، والالتزام بالقوانين، والمشاركة في الأعمال التطوعية، كل ذلك ينبع من يقين راسخ بأن الحقوق محفوظة والكرامة مصانة. ولا يمكننا إغفال الدور الحيوي الذي تلعبه حقوق الإنسان في محاربة الفساد، فالفساد يستشري في البيئات التي تغيب فيها الشفافية وتنعدم فيها المحاسبة، وحينما يتمتع الأفراد بحق الوصول إلى المعلومات، وحق التظلم، وحق المشاركة في الرقابة الشعبية، يصبح الفاسدون في مرمى نيران الفضح والمحاكمة، وتصبح المؤسسات مضطرة إلى العمل بنزاهة خوفاً من العيون الساهرة التي تراقبها، وهكذا تتحول حقوق الإنسان من مجرد نصوص نظرية إلى آلية فعّالة للحوكمة الرشيدة، الأمر الذي يجعل المجتمع أكثر استقراراً وأقل عرضة للانقلابات والاضطرابات، لأن المواطن الذي يجد قنوات سلمية للتعبير عن احتياجاته وإصلاح اختلالاته لن يلجأ إلى العنف أو التخريب. ومن زاوية أخرى، فإن المجتمع الذي يحترم التنوع والتعددية ويحمي حقوق الأقليات والفئات المهمشة يكون مجتمعاً غنياً بتجاربه الثقافية والفكرية، فالتنوع ليس عامل ضعف، بل هو مصدر قوة وإثراء للحياة الاجتماعية، فالاختلاف في الرأي والدين والجنس والانتماء الثقافي يجب أن يُنظر إليه كإضافة ثرية تثري الحوار وتوسع الآفاق، وليس كتهديد يجب القضاء عليه، وحقوق الإنسان هي التي تكفل هذه الفضاءات الآمنة للاختلاف، وتجعل من التعددية نعمة وليست نقمة، وتؤسس لمبدأ التسامح الذي هو أساس أي مجتمع مدني متطور، فالتسامح لا يعني التخلي عن المبادئ، بل يعني الاعتراف بحق الآخر في الوجود والاختلاف، وهذا الاعتراف هو بالضبط ما يطفئ نار الصراعات الأهلية والعقائدية التي مزقت كثيراً من الأمم على مر التاريخ.