الاستاذ الدكتور علاء شيال
لا شك أن الأسرة تشكل النواة الأولى التي ينبثق منها المجتمع، وهي الحاضنة الطبيعية التي تتشكل فيها ملامح الشخصية الإنسانية، وتغرس فيها القيم والمبادئ التي ترافق الفرد طوال حياته، ومن هنا تنبع أهمية حقوق الإنسان في هذا الفضاء الضيق الذي يتسع لكل معاني الحياة، فالأسرة لي مجرد مجموعة من الأفراد تجمعهم صلة الدم أو المصاهرة، بل هي كيان قائم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالكرامة الإنسانية لكل عضو فيها، صغيراً كان أم كبيراً، ذكراً أم أنثى، وهذا الاعتراف هو الأساس المتين الذي تقوم عليه أي علاقة إنسانية سوية، وهو ما يضمن استقرار الأسرة واستمراريتها كوحدة منتجة للحب والأمان. إن التمسك بحقوق الإنسان داخل الأسرة يعني أن كل فرد يعيش فيها يشعر بأنه كائن له قيمة وحق في الوجود والكرامة، وأن رأيه مسموع، ومشاعره مرعية، وحاجاته الأساسية ملبية، فالطفل مثلاً لا يطلب أكثر من أن ينشأ في بيئة تحمي طفولته، وتحترم براءته، وتستمع إلى أسئلته الوجودية التي تفيض بها عقليته الناشئة، وتوفر له الرعاية الصحية والنفسية والتعليمية التي تضمن له النمو السليم، وهذا ليس ترفاً عاطفياً، بل هو حق إنساني أصيل كفله الإسلام والنظم الدولية، وجعله مسؤولية أخلاقية وقانونية على عاتق الوالدين، فأي تفريط في هذا الحق يعد انتهاكاً صريحاً لحق الطفل في الطفولة، ويؤدي بالنتيجة إلى تشويه شخصيته، ويجعله فرداً غير قادر على العطاء المجتمعي الإيجابي حين يكبر.
ولا تقف الحقوق عند حدود الطفل، بل تمتد لتشمل المرأة في داخلها فهي شريكة الرجل في بناء الأسرة، لا خادمة له، ولا تابعة لأوامره دون حوار، فالشراكة الحقيقية تقوم على الاحترام والمساواة في الكرامة الإنسانية، مع مراعاة الفروق الطبيعية بين الجنسين التي لا تتعارض مع العدل، والمرأة داخل الأسرة لها حق التعبير عن رأيها، والمشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية، وحقها في العمل والتعلم إن شاءت، وحقها في الاحتفاظ بشخصيتها المستقلة وذاتيتها التي لا تذوب داخل جدران البيت، وأي ثقافة أو ممارسة تقلل من هذه الحقوق إنما هي انتهاك للكرامة الإنسانية التي هي أساس كل حق.
كما أن حقوق الإنسان في الأسرة تشمل الأبناء جميعهم دون تمييز بسبب الجنس أو الترتيب بين الإخوة، فالعدل بين الأبناء هو أحد أهم مظاهر احترام الحقوق، وليس معنى العدل هنا التسوية المطلقة في كل شيء، بل هو إعطاء كل ذي حق حقه بحسب ظروفه واحتياجاته، مع بث روح المساواة في المعاملة والشعور بأن الجميع ينتمون إلى الأسرة نفسها ولا فرق بين أنثى وذكر في المحبة والعطاء، فالتفرقة بين الأبناء سبب رئيسي في توليد الحقد والغيرة داخل الأسرة، وهذه المشاعر تهدم النسيج الأسري، وتدفع الأبناء إلى التمرد أو الانطواء، وهذا دليل واضح على أن انتهاك حقوق الإنسان، ولو في أضيق دائرة، له انعكاسات خطيرة على المجتمع كله. ولا تقتصر الحقوق على الأبناء والزوجة، بل للزوج أيضاً حقوقه التي يجب أن تصان، وللوالدين مكانتهما التي لا ينبغي أن تنتهك، ففي الأسرة المتوازنة، يكون الوالدان قدوة حسنة في احترام الحقوق، ويتعلمان من أبنائهما أيضاً كيف يكون الاحترام متبادلاً، وكيف أن التغيير في أساليب الحياة لا يعني فقدان الهوية أو التفكك، وإنما هو تجديد للعلاقات على أسس إنسانية متطورة، فالأسرة لي متحفاً للجمود، بل هي كائن حي ينبض بتفاعل أفراده، وكلما زاد وعي كل فرد بحقوقه وواجباته، زادت قدرته على العطاء والحوار البناء، وهذا لا يتحقق إلا بمناخ من الحرية المسؤولة التي تتيح للجميع مساحة للتعبير عن الذات، دون خوف من عقاب أو حرمان عاطفي.
والأمر الأكثر إلحاحاً هو أن انتهاك حقوق الإنسان داخل الأسرة، كالعنف الجسدي أو النفسي، والإهمال، والحرمان من التعليم، والتمييز ضد المرأة، كلها ممارسات تترك جراحاً غائرة في النفوس، وتنم عن خلل كبير في مفهوم العلاقات الإنسانية، فهذه الممارسات ليست شأناً خاصاً يقتصر على المنزل، بل هي قضايا عامة تؤثر في المجتمع بأسره، فالأسرة التي تعاني من التفكك أو القمع تخرج أفراداً يحملون معهم مشاعر الإحباط والعدوانية وعدم الثقة بالآخرين، وهذا يؤدي إلى ظهور ظواهر اجتماعية مثل العنف المدرسي، والتنمر، وانخفاض الإنتاجية، بل وانتشار الأمراض النفسية التي تكلف المجتمعات الكثير.
لذلك فإن احترام حقوق الإنسان في الأسرة ليس مجرد رفاهية أخلاقية، بل هو ضرورة اجتماعية وقانونية، وهو استثمار طويل الأجل في مستقبل أكثر سلاماً واستقراراً، فإذا نشأ الفرد في كنف أسرة تحترم حقوقه، وتعلمه كيف يحترم حقوق الآخرين، فإنه سيكون مواطناً صالحاً يؤمن بالديمقراطية والعدالة والتسامح، وسيكون أكثر قدرة على تحمل المسؤولية، وأكثر استعداداً للمشاركة في بناء مجتمع قوي متماسك، فتكريس هذه الثقافة داخل المنزل يعكس صورة المجتمع الذي نطمح إليه، حيث الكرامة الإنسانية هي القاسم المشترك بين الجميع، وتصبح القوانين والقيم الأخلاقية جزءاً من الوجدان اليومي، لا مجرد نصوص جافة.