سوريا.. الهروب الأيديولوجيُّ إلى الأمام

عبد الكريم مراد

الذَّرائعُ الوهميَّةُ والمُتاجرةُ بالهويَّة: كيف تُطيلُ النُّخبُ المأزومةُ عُمرَها؟

في السياسةِ، لا يُقاسُ صِدقُ النُّخبِ بما تُعلِنُه من شِعاراتٍ، بل بما تُمارِسُه في لحظاتِ الاختبار. وهُنا تَبرزُ فجوةٌ عميقةٌ بين خطابٍ جماهيريٍّ مُنمَّق، وممارسةٍ براغماتيَّةٍ نفعيَّةٍ تُدارُ في الظِّلّ؛ فجوةٌ تُشكِّلُ أحدَ أوضحِ تجلّياتِ النِّفاقِ السّياسيّ.

وعندما تَدخلُ هذه النُّخبُ طورَ الأَزَماتِ -انهيارٌ عسكريٌّ، أو فشلٌ استراتيجيّ-فإنَّها نادراً ما تُقدِمُ على مراجعةٍ صادقة. بل تلجأُ إلى تكتيكٍ مُجرَّب: (الهُروبُ الأيديولوجيُّ إلى الأمام)؛ حيث تُستَحضَرُ فجأةً شِعاراتٌ هويّاتيَّةٌ عاطفيَّة، لم تكن يوماً من صُلبِ المشروع، لتتحوَّلَ إلى أداةِ تعبئةٍ، وسِتارِ تبرير، ووسيلةِ إفلاتٍ من المُساءلة.

التاريخُ القريبُ يُقدِّمُ شواهدَ متكرِّرةً على هذا النَّمط؛ إذ تنقلبُ الخطاباتُ، عند اقترابِ لحظةِ الانكشاف، من عقلانيَّةٍ عابرةٍ للهويّات إلى تعبئةٍ قوميَّةٍ حادّة، تُصوِّرُ الصِّراعَ بوصفِه معركةَ وجود. لا لأنَّه كذلك بالضَّرورة، بل لأنَّه الخطابُ الأنجعُ لإطالةِ عمرِ السُّلطة، ولو على حسابِ المجتمع.

فعلى سبيل المثال لا الحصر في التاريخ المعاصر ما حدث في إقليم “جمهورية بيافرا” بنيجيريا كشاهد تاريخي (1967-1970) نموذجاً كلاسيكياً لهذا السلوك؛ حيث ركزت قيادة الإقليم بزعامة “أودوميغو أوجوكو” في البداية على شعارات التنمية والمشاركة السياسيّة الحديثة العابرة للإثنيات، لكن مع اشتداد الحصار والانهيار الميدانيّ وسقوط مئات الآلاف من الضحايا والمجاعات، أسقطت القيادة خطابها العقلاني، وتحولت فجأة نحو شحن قوميّ عاطفيّ حاد لإثنية “الإيبو”، مصوّرةً المعركة بأنّها حربٌ وجوديّة لمنع الاستسلام، كان هذا الخطاب أداة لتمديد عمر السلطة، بينما كانت القيادة في الكواليس ترتب شروط نجاتها الشخصيّة، وهو ما انتهى بالفعل بفرار أوجوكو إلى ساحل العاج تاركاً شعبه يواجه التبعات الصفريّة للهزيمة.

وفي المشهد الكوردي السوريّ يتجلّى أحدِ النَّماذجِ الرّاهنةِ لهذه الدِّيناميكيَّة بوضوح:

أوَّلاً: انفصامُ التأسيسِ عن المآل.

فقد رُفِعَت في البداياتِ شعاراتٌ تتجاوزُ القوميَّةَ والدَّولةَ التَّقليديَّة، تحت عناوينَ من قبيل “أخوَّة الشُّعوب”، غير أنّ هذه الأدبيّات تراجعت مع تحوُّلِ الوقائعِ الميدانيّة، ليَحلَّ محلَّها خطابٌ هويّاتيٌّ أكثرُ انغلاقاً.

ثانياً: تَسييسُ الهويَّة بوصفِها درعاً.

حيث يُعادُ إنتاجُ الخطابِ القوميّ لا كخيارٍ فكريّ، بل كآليّةِ حمايةٍ للسُّلطة؛ فيُوسَمُ النَّقدُ بالخيانة، وتُختَزَلُ القضيَّةُ في النُّخبة، فتُغلَقُ أبوابُ المُحاسبة، وتُؤجَّلُ الأسئلةُ الكبرى.

وفي السِّياقِ ذاتِه، تُسوَّقُ بعضُ التحرّكاتِ الخارجيَّة على أنّها مساعٍ لحمايةِ الحقوقِ الجماعيَّة (القومية)، بينما تُشيرُ الوقائعُ إلى أنّها، في جانبٍ منها، محاولةٌ لإعادةِ ترتيبِ شروطِ البقاء: ضمانات، قنواتُ نفوذ، ومواردُ استمرار.

وختاماً أقول :ليسَ اللُّجوءُ إلى الشِّعاراتِ العاطفيَّةِ في لحظاتِ الانهيار دليلاً على صلابةِ المشروع، بل قرينةً على أزمته. إنَّه سلوكُ نُخبٍ تُجيدُ تأجيلَ النِّهاية، لا تجاوُزَها؛ وتُتقنُ إدارةَ الخطاب، أكثرَ ممّا تُحسِنُ إدارةَ الواقع.

قد يعجبك ايضا