الملف السوري.. التناقضات وإشكالية الاستدلال في خطاب وليد اسماعيل

د. أسعد الجوراني

في تناول القضايا السياسية والاجتماعية المعقدة، تكتسب الدقة والمنهجية أهمية خاصة، ولا سيما حين يتعلق الأمر بملفات شديدة الحساسية كالملف السوري. غير أن بعض الطروحات المتداولة عبر المنصات الرقمية تكشف أحياناً عن اختلالات في التحليل، سواء من حيث البناء المنطقي أو من حيث الاستناد إلى الأدلة والمعطيات الموثقة.

ومن بين هذه الطروحات ما طرحه وليد إسماعيل بشأن زواج بعض النساء من المكونين الشيعي أو العلوي بعناصر من الأجهزة الأمنية السورية، حيث قدّم فرضية مفادها أن هذه الزيجات قد تكون جزءاً من عمل استخباراتي ممنهج يهدف إلى السيطرة على الأمن الداخلي.

إن هذه الفرضية تثير إشكاليات عديدة، أولها: أنها تفترض وجود استراتيجية اختراق قائمة على المصاهرة داخل أجهزة أمنية عُرفت تاريخياً ببنيتها المغلقة وشدة الرقابة على كوادرها. وعليه، فإن تصوير الزواج بوصفه أداة لاختراق جهاز أمني تسيطر عليه تاريخياً النواة الصلبة للسلطة، يبدو طرحاً يفتقر إلى التماسك مع طبيعة تلك المؤسسات وآليات عملها.

من الملاحظ أيضاً وجود اضطراب في التوصيف بين مؤسسات النظام السوري من جهة، والأجهزة الأمنية التابعة لفصائل المعارضة من جهة أخرى. فحين يُشار إلى «الأمن السوري» بصورة عامة، ثم تُستحضر أسماء وشخصيات ارتبطت بمناطق المعارضة السورية، يصبح السياق عرضة للالتباس

فإذا كان المقصود أجهزة النظام السوري، فإن بعض الاستنتاجات المطروحة لا تنسجم مع الواقع السياسي والأمني المعروف لتلك المؤسسات. أما إذا كان المقصود الأجهزة الأمنية التابعة لفصائل المعارضة في الشمال السوري، فإن استخدام مصطلح «الأمن السوري» من دون تحديد دقيق يؤدي إلى خلط المفاهيم وإرباك المتلقي.

من المشكلات المنهجية الأخرى الاعتماد على صيغ من قبيل: «حسب ما نُقل لي» أو «الذي حُكي لي» في بناء استنتاجات ذات أبعاد سياسية وأمنية واجتماعية. ففي البيئات التي تشهد نزاعات وحروباً، تنتشر الشائعات والدعايات المتبادلة بصورة واسعة، الأمر الذي يجعل من الضروري إخضاع المعلومات لمعايير التحقق والتوثيق قبل تحويلها إلى أحكام أو تحليلات عامة. أما بناء تصورات استراتيجية أو ديموغرافية استناداً إلى روايات غير موثقة، فإنه يضعف القيمة المعرفية للطرح ويحوّله من تحليل موضوعي إلى مجرد انطباعات شخصية.

كما أن افتراض وجود مخطط طائفي شامل خلف علاقات الزواج المختلطة ينطوي على قدر كبير من التعميم ومحاكمة النوايا. فالزواج في الأصل علاقة إنسانية وشخصية تحكمها عوامل متعددة ومتداخلة، ولا يمكن اختزالها تلقائياً في دوافع أمنية أو سياسية من دون أدلة واضحة ومباشرة.

إن هذا النوع من التفسير يُسهم في تعزيز الشكوك المتبادلة بين المكونات الاجتماعية، ويجعل الأفراد عرضة للأحكام المسبقة بسبب انتماءاتهم الدينية أو المذهبية، وهو ما ينعكس سلباً على فرص الاندماج المجتمعي وترسيخ السلم الأهلي.

ومن الجوانب التي تستحق التوقف أيضاً استخدام مفهوم «التوبة» عند الحديث عن انتقال أفراد من بيئات شيعية أو علوية إلى المذهب السني. فهذا الوصف لا يخلو من دلالة ضمنية تفترض وجود انحراف ديني سابق يستوجب التوبة منه، وهو ما قد يُفهم على أنه حكم مسبق على عقائد ومعتقدات فئات واسعة من المسلمين.

وتكمن خطورة هذا الخطاب في أنه يعمّق الانقسام الطائفي ويعزز ثقافة الإقصاء المتبادل، بدلاً من ترسيخ ثقافة الاعتراف بالتعددية واحترام حق الأفراد في تبني قناعاتهم الدينية والفكرية بحرية.

إن النقد الموضوعي لأي ظاهرة سياسية أو اجتماعية يقتضي الاستناد إلى الوقائع الموثقة والتحليل المنهجي، لا إلى الظنون والانطباعات أو التعميمات الواسعة. كما أن الحفاظ على السلم الأهلي والتماسك المجتمعي يتطلب خطاباً مسؤولاً يتجنب شيطنة المكونات الاجتماعية المختلفة أو التشكيك الجماعي في نواياها، ويقوم بدلاً من ذلك على الدقة والإنصاف واحترام التنوع الإنساني.

هذه الصياغة أقوى احتجاجا لأنها تركز على تفكيك الفرضيات والاستدلالات والتناقضات المنهجية، بدلاً من مهاجمة الشخص، وهو ما يمنح المقال طابعاً بحثياً ونقدياً أكثر تماسكاً.

قد يعجبك ايضا