محمد علي محيي الدين
تمضي بعض الشخصيات في الحياة مثل أثرٍ خفيفٍ على الرمل، بينما تترك شخصيات أخرى بصمتها عميقة في الذاكرة الثقافية والإنسانية، ومن بين هذه الأسماء التي اقترنت بالوعي والإبداع والوفاء للعراق تبرز الكاتبة والمترجمة العراقية أمل الشرقي، التي وُلدت في بغداد عام 1941، وحملت معها منذ البدايات شغف الكلمة ورهافة الثقافة، لتصبح واحدة من النساء اللواتي أسهمن في صنع المشهد الثقافي والإعلامي العراقي على مدى عقود طويلة.
نشأت أمل الشرقي في بيت عراقي عريق ذي جذور نجفية معروفة بالعلم والأدب والنهضة الفكرية، فهي ابنة الشاعر الكبير علي الشرقي ومدللته الأثيرة كما يقول جعفر الخليلي في كتابه هكذا عرفتهم، الأمر الذي منحها منذ طفولتها تماسًا مبكرًا مع عالم الفكر واللغة والجمال. ولم يكن غريبًا أن تتجه إلى الأدب والترجمة والصحافة، فقد بدت الثقافة بالنسبة إليها قدرًا شخصيًا ورسالة حياة أكثر من كونها مهنة عابرة.

دخلت عالم الصحافة والإعلام عبر وكالة الأنباء العراقية، حيث عملت مترجمة بين عامي 1963 و1967، وهناك صقلت أدواتها اللغوية ووسّعت أفقها المعرفي، قبل أن تنتقل إلى صحيفة “بغداد أوبزرفر” الناطقة باللغة الإنكليزية، لتعمل محررة بين عامي 1972 و1978، في مرحلة كانت الصحافة العراقية تشهد فيها حراكًا فكريًا وإعلاميًا لافتًا. وقد عُرفت خلال تلك السنوات بدقتها المهنية وثقافتها الواسعة وقدرتها على الجمع بين الصرامة الصحفية والحس الإنساني الرقيق.
ولأن اهتمامها لم يكن مقتصرًا على النخب الثقافية، بل امتد إلى بناء وعي الأجيال الجديدة، فقد أسست “دار ثقافة الأطفال” وتولت منصب المدير العام فيها بين عامي 1978 و1982، لتقود واحدة من أهم التجارب الثقافية الخاصة بأدب الطفل في العراق. في تلك المرحلة، تحولت الدار إلى فضاء للإبداع والتجديد، واحتضنت أسماء أدبية وفنية شابة أصبحت لاحقًا من أبرز رموز الثقافة العراقية. وقد عُرفت أمل الشرقي بقدرتها على اكتشاف المواهب ومنح الثقة للمبدعين الشباب، إيمانًا منها بأن الثقافة الحقيقية تبدأ من الطفولة.
وفي موازاة عملها الثقافي، واصلت مشروعها الأكاديمي، فنالت شهادة الماجستير في الأدب الإنكليزي من جامعة بغداد عام 1984، ثم عملت مدرّسة للأدب الإنكليزي في الجامعة المستنصرية بين عامي 1986 و1987، لتؤكد أن علاقتها بالأدب لم تكن مجرد ممارسة مهنية، بل معرفة عميقة ورؤية حضارية شاملة.
وفي العام 1987 أطلقت مشروعها الثقافي الخاص بتأسيس “دار الشمس” للنشر، وهي دار متخصصة بترجمة الكتب، سعت من خلالها إلى مدّ الجسور بين الثقافة العربية والآداب العالمية، وإغناء المكتبة العربية بترجمات رصينة. غير أن سنوات الحصار الاقتصادي التي عصفت بالعراق أوقفت هذا المشروع الطموح، لتبقى “دار الشمس” حلمًا ثقافيًا اصطدم بظروف قاسية لم ترحم المثقفين ولا مشاريعهم.
وحين غادرت العراق إلى عمّان قبيل الاحتلال، لم تغادرها بغداد ولا العراق. فقد عملت في جريدة “العرب اليوم” بين عامي 1997 و2009، وظلت تكتب بروح عراقية خالصة، تستعيد الوطن في مقالاتها وذكرياتها وحواراتها. كانت الغربة بالنسبة إليها مكانًا للإقامة فقط، أما القلب فبقي معلّقًا بالعراق، بمدنه وناسِه وأحلامه الثقافية.
كما شغلت عضوية مجلس نقابة الصحفيين العراقيين لدورتين بين عامي 1979 و1982، وعملت مديرًا للتحرير في مجلة “المرأة” العراقية، وشاركت في مؤتمرات ثقافية دولية متعددة، ناقلة صورة المثقف العراقي المنفتح على العالم، والمؤمن بأن الثقافة فعل إنساني جامع لا يعرف الحدود.
وقد أنجزت أمل الشرقي ترجمة ثلاثة عشر كتابًا إلى العربية، فضلًا عن عشرات الدراسات والمقالات التي نشرتها في الصحف العراقية والعربية، مؤكدة حضورها بوصفها مترجمة وكاتبة تمتلك حسًا لغويًا رفيعًا ورؤية فكرية ناضجة.
ويصفها الكاتب ياس خضر البياتي بأنها كانت تمتلك موهبة نادرة في الجمع بين الجدية المهنية والدفء الإنساني، إذ لم تكن علاقاتها مجرد صلات عمل عابرة، بل جسورًا من الثقة والاحترام والوفاء. كانت تنصت أكثر مما تتحدث، وتمنح من حولها شعورًا بالأمان الفكري والإنساني، مؤمنة بأن الثقافة ليست نصوصًا جامدة، بل حياة مشتركة وذاكرة جماعية وفضاء رحب للحوار والمحبة.
أما الصحفي بيان صفدي فيستعيدها بوصفها “الربّان الأبرز لثقافة الطفل في العراق”، ويتحدث عن شخصيتها التي جمعت بين الحزم والحنان، وبين الثقافة الواسعة والتواضع النبيل. ويذكر كيف كانت تمنح العاملين معها الثقة والرعاية، حتى بدت بالنسبة إليهم أختًا كبرى أكثر من كونها مديرة عامة، تهتم بتفاصيلهم الإنسانية كما تهتم بجودة العمل والإبداع.
لقد كانت أمل الشرقي واحدة من تلك الشخصيات العراقية التي آمنت بأن الثقافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وظيفة، وأن الكلمة يمكن أن تكون وسيلة لبناء الإنسان وحماية ذاكرته من الخراب. ولهذا بقي اسمها حاضرًا في ذاكرة من عرفها أو عمل معها، بوصفها امرأة نذرت حياتها للحرف والمعرفة والإنسان، وظلت حتى في غربتها تحمل العراق في قلبها، كما يحمل النهر صور المدن التي مرّ بها ذات يوم.