د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
الحلقة التاسعة
والأغرب من ذلك كله ما يطرحه الدكتور محمد بهجت القبيسي حول تفسير كلمة «الكُرد»، حين يحاول أن يبني من تشابهٍ لفظي عابر بين «الكُرد» والفعل العربي «كَرَدَ» سرديةً كاملة عن أصل شعبٍ عريق، فيزعم أن الكورد قبائل عربية طُردت أو أُقصيت من الجزيرة العربية إلى مناطق زاغروس وجنوب وغرب بحر قزوين. وهذه ليست قراءة تاريخية ولا اجتهادًا لغويًا، بل واحدة من أضحل المحاولات التي يمكن الوقوف عندها في العبث بالتاريخ، لأنها تخلط بسطحية غريبة بين تصريفٍ معجمي محدود ومسيرةٍ تاريخية ممتدة لشعبٍ من أقدم شعوب هذه الجغرافية، شارك في قيام حضاراتها، وكان في صلب تكوينها السكاني والثقافي.
فوجود جذر عربي مثل «كَرَدَ» بمعنى ساق أو طرد أو دفع، لا يمنح أحدًا حق اشتقاق اسم شعب كامل منه، ولا يسمح بإلغاء تاريخه وجغرافيته وهويته. ولو كان التشابه اللفظي دليلًا على الأصل الإثني، لأمكن ردّ أسماء شعوب ومدن ولغات لا حصر لها إلى جذور متشابهة في العربية أو غيرها، ولتحول علم اللغة التاريخي إلى لعبة أصوات لا علاقة لها بالمعرفة.
إن خطورة طرح القبيسي ليست في ضعفه فقط، بل في وظيفته؛ فهو لا يفسر اسم «الكورد»، بل يحاول تعريب شعب وجغرافيا وذاكرة. وحين يعجز عن إنكار الوجود الكوردي في كوردستان وزاغروس وميزوبوتاميا، يلجأ إلى حيلة لغوية بائسة تجعل الكورد عربًا مطرودين من موطن آخر. وهذا ليس بحثًا، بل استمرار لمنهج المستعربين في سرقة الجغرافيا ومحو التاريخ عبر المعجم.
فالاشتقاق اللغوي لا يقوم على التشابه الصوتي المجرد، بل على قوانين التطور الصوتي، والبيئة اللغوية، والتوثيق التاريخي، واستقرار الاستعمال، وشبكة العلاقات بين اللغات. أما أن يُنتزع تشابه لفظي عارض من معجم عربي متأخر، ثم يُحوَّل إلى أصل لاسم أمة عريقة، فذلك ليس بحثًا لغويًا، بل محاولة لتذويب الكُرد في المعجم العربي بعد أن عجز الخطاب نفسه عن نفيهم من الجغرافيا. وهنا تتكشف الحيلة بوضوح، حين تفشل خرائطهم في شطب الكُرد، يلجؤون إلى الألفاظ؛ وحين تعجز الجغرافيا عن إنكار الأمة، يستدعون المعجم لسرقة اسمها.
ومن هنا، فإن القضية لم تعد مجرد خطأ في قراءة تاريخ، أو التباس في اسم، أو سوء استعمال لخريطة أو لقب، بل منهج كامل يريد أن ينتهي دائمًا إلى النتيجة نفسها، نفي الكورد من التاريخ، وتقليص حضورهم في الجغرافيا، وتشويه اسمهم نفسه إن أمكن. وهذا هو جوهر العبث الذي نواجهه، ليس في الوقائع وحدها، بل في طريقة اصطفائها، وفي الذهنية التي تُحاكم بها، وفي الغاية السياسية التي تقف خلف هذا كله.
المنهج اللغوي لا يقوم على التشابه السطحي بين الأصوات، بل على السلاسل التاريخية، والتحولات الصوتية، والمقارنة بين اللغات، وشهادات المصادر، وموقع الاسم في الجغرافيا والذاكرة. والكورد ليسوا فعلًا عربيًا ولا صفةً بمعنى “المبعدين”، بل اسم شعب ورد في مصادر تاريخية وجغرافية بوصفه شعب وقبائل وقرى ومجالات جبلية وسكانية.
وحين يقول مالك بن الريب التميمي، شاعر صدر الإسلام وأوائل العصر الأموي، في رثائيته الشهيرة التي قالها وهو يحتضر في طريق خراسان، غالبًا في حدود سنة 56هـ/676م، أو في روايات أخرى نحو 60هـ/680م: “أقول وقد حالت قرى الكُرد بيننا”، فهو لا يتحدث عن “قرى المبعدين” ولا عن اشتقاق نحوي، بل عن قرى منسوبة إلى قوم معروفين باسم الكُرد في الوعي العربي المبكر. فذكر “قرى الكُرد” في مرثية قيلت في النصف الثاني من القرن الأول الهجري يكشف أن الاسم لم يكن اختراعًا لغويًا متأخرًا، ولا صفة مشتقة من فعل عربي، بل دلالة قومية وجغرافية حاضرة في الذاكرة العربية والإسلامية منذ مرحلة مبكرة.
والأخطر أن هذا التأويل لا يطعن في التاريخ الكوردي وحده، بل يطعن في جدية التراث العربي نفسه؛ لأنه يفترض أن الشعراء والمؤرخين والجغرافيين المسلمين كانوا يذكرون “الكُرد” دون أن يعرفوا أنهم يتحدثون، بحسب هذا الزعم البائس، عن معنى لغوي لا عن شعب. فهل كان البلاذري، والطبري، والدينوري، والمسعودي، وابن حوقل، والمقدسي، وابن الأثير يكتبون عن “المبعدين” أم عن الكورد بوصفهم جماعات لها حضور في الجبال والجزيرة وآمد وأربيل والموصل وأطراف أرمينيا وزاغروس، وطوروس؟
يتبع…