حلبجة الشهيدة تودّع ابنة كربلاء… ورسالة إنسانية تهزم كل الحدود

عرفان الداوودي

لم تكن حلبجة الشهيدة يوماً مجرد مدينةٍ عانت من المآسي والآلام، بل كانت وما زالت مدرسةً في الإنسانية والكرامة والتآخي. المدينة التي ذاقت مرارة الأنفال والقصف الكيمياوي وعرفت معنى الفقدان، وقفت اليوم لتكتب صفحة جديدة من صفحات الوفاء والمحبة وهي تودّع الطفلة الكربلائية “رقية” التي فارقت الحياة غرقاً في منطقة أحمد آوه السياحية.

في مشهدٍ مؤثرٍ أبكى القلوب، رفض أهالي حلبجة أن تغادر رقية إلى مدينتها كربلاء المقدسة قبل أن يشيعوها بأنفسهم. فخرج الآلاف من المواطنين، إلى جانب القوات الأمنية وفرق الدفاع المدني والمتطوعين والشيوخ والوجهاء، في موكب جنائزي مهيب، وكأن الفاجعة أصابت كل بيتٍ من بيوت حلبجة، لا أسرة الطفلة وحدها.

لقد أثبت أبناء حلبجة أن الإنسانية لا تعرف حدوداً قومية أو مذهبية أو جغرافية، وأن دموع الأمهات وآلام الآباء واحدة في كل مكان. فتحولت رقية من طفلة جاءت سائحة إلى رمزٍ للمحبة والوحدة الوطنية والتعايش بين أبناء العراق جميعاً.

وقد جسّد بيان رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني هذا المعنى النبيل، حين وجّه شكره وتقديره لأهالي حلبجة ومنطقة هورامان، وللقوات الأمنية وفرق الدفاع المدني والمتطوعين الذين بذلوا جهوداً استثنائية للعثور على جثمان الطفلة. وأكد في بيانه أن هذه المواقف ليست غريبة على شعب كوردستان المعروف بثقافة النخوة والكرم والبذل الإنساني.

كما عبّر رئيس الحكومة عن خالص تعازيه ومواساته لعائلة الطفلة رقية، داعياً الله سبحانه وتعالى أن يتغمدها بواسع رحمته وأن يلهم أهلها الصبر والسلوان، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة تعزيز إجراءات السلامة في المناطق السياحية حمايةً لأرواح المواطنين والزائرين.

إن ما حدث في حلبجة لم يكن مجرد مراسم تشييع، بل كان رسالة وطنية وإنسانية عظيمة من مدينة الشهداء إلى كربلاء المقدسة، تؤكد أن العراق يبقى موحداً بقلوب أبنائه، وأن قيم الرحمة والتضامن أقوى من كل الانقسامات.

هكذا كانت حلبجة بالأمس رمزاً للصمود في وجه الظلم، وهي اليوم رمزٌ للمحبة والسلام والتآخي. ومن أرضها الطاهرة ارتفعت رسالة وفاء إلى كربلاء وإلى كل العراق تقول: إن الإنسانية ستبقى دائماً الجسر الأقوى الذي يربط بين الشعوب والقلوب.

رحم الله الطفلة رقية، وأسكنها فسيح جناته، وجزى أهالي حلبجة وخورمال وهورامان خير الجزاء على موقفهم الإنساني النبيل الذي سيبقى خالداً في ذاكرة العراقيين جميعاً.

قد يعجبك ايضا