سمير ميراني
على هذه الأرض التي تشبه حكايةً لم تكتمل، كنا شعباً واحداً ، نحيا كما يحيا النهر، ننساب بهدوءٍ بين السهول والجبال، لا نحمل في قلوبنا غير السلام، ولا نعرف من العيش إلا ما يشبه أغنيةً قديمةً تتناقلها الريح.
ثم جاءت ممالك الشر من الشرق والغرب، فأخذت ما لم يكن لها، وكنا مما أخذت، قسمت أرضنا وبعثرت ذاكرتنا، كأنما أرادت للحكاية أن تنتهي قبل أن تُروى.
ومنذ تلك اللحظة لم تعد ” نحن” واحدة، فأنت يا من تحمل هذه الحكاية في دمك، وجدت نفسك وحدك أمام إرثٍ لم تختره، في قطعةٍ من وطنٍ مجزأ، تحمل فكر محتلّها ومنهجه، وتنظر إلى أخيك في القطعة المجاورة كأنه غريب، قبل أن تدرك أن هذا الشعور صنيعة إرثٍ زُرع بينكما.
تعاقبوا عليك من جهتين لا جهة واحدة، فرسٌ وبيزنطيون حملوا إليك مدّهم العرقي، وزرع كلٌ منهما في حصته ثقافته وأعرافه ولغة تفكيره، فنشأتَ في أمةٍ واحدة تحمل ملامح أمتين، ثم جاء المدّ الإسلامي فأضاف إلى الجرح طبقةً أعمق، إذ تنافس المحتلون هذه المرة بعقائدهم ومذاهبهم وطوائفهم، بين سنةٍ وشيعة، بين عثمانيٍّ وصفوي، حتى صار الدين نفسه ساحةً للتقسيم، ثم أتمّ سايكس وبيكو ما بدأه من سبقهم، فشتّتاك في أربع دول، كل واحدة منحتك زبورها وحدودها، وهكذا تراكم في داخلك إرثان لا إرثٌ واحد:إرث العرق وإرث العقيدة، وكلاهما لا يزال يعمل فينا حتى اليوم، وهكذا لم يعد المحتل يحتاج إلى أن يبقى، فقد أبقى من نفسه ما يكفي.
والإرث الذي خلفوه بداخلك لا يُرى، لكنك تحسّه في كل لحظة تحاول فيها أن تمتد يدك نحو أخيك فتجد شيئاً فيك يسحبها، حذرٌ تربّيتَ عليه، وموروثٌ يعمل في الخفاء، وحين مُنحتَ أخيراً قطعةً من أرضك تحكمها بنفسك، اكتشفتَ أن المحتل كان أذكى مما تصوّرت، فقد نقل حدوده من الخرائط إلى أعماقك، فأصبحتَ تبني وتهدم، تتناغم ثم تتنافر، تحمل من كل محتلٍّ مرّ بأرضك طريقةً في النظر إلى أخيك، وطريقةً في الخوف منه.
ومع كل هذا، بقيتَ متجذراً في أرضك، رافعاً راية أصالتك في وجه كل من حاول أن يمحوها، حملتَ لغتك وتاريخك وذاكرتك، وصمدتَ أمام كل ما جاءك من خارج، غير أن ما زرعوه فيك من الداخل بلغ ما عجزت عنه سيوفهم، فغادروا وأبقوا إرثهم يعمل بدلاً عنهم.
المعركة الحقيقية تسكن داخلك، بين جزءٍ يمتد نحو أخيه وجزءٍ تربى على الحذر منه، ما تحمله أثرٌ خَلَفَه من مرّوا بأرضك، وقد آن لك أن تعرف هذا، فاسأل نفسك : ألم يحنِ الوقت لأن تعود إلى ” نحن” .؟