نصير علي الحسيني.. مهندس المدن وحارس الذاكرة

نبيل عبد الأمير الربيعي

ثمة شخصيات لا تكتفي ببناء الأبنية، بل تمضي أبعد من ذلك لتبني جسوراً بين المعرفة والجمال، وبين الفكر والإبداع، وبين الحجر والكلمة. ومن هذه الشخصيات العراقية المتميزة يبرز اسم الدكتور المهندس المعماري والأديب نصير علي الحسيني، الذي استطاع أن يجمع في مسيرته بين دقة العلم ورهافة الأدب، فغدا نموذجاً للمثقف الموسوعي الذي يرى في العمارة نصاً بصرياً، وفي الكتابة بناءً آخر للروح والذاكرة.
ولد الدكتور نصير علي الحسيني في مدينة الحلة عام 1959، المدينة التي ما انفكت تمد أبناءها بأسباب الإبداع بما تختزنه من إرث حضاري وثقافي ضارب في أعماق التاريخ. وفي هذه البيئة الغنية تشكل وعيه الأول، مستنداً إلى أسرة عُرفت باهتمامها بالأدب والثقافة، وكان لوالده الأديب والشاعر الراحل علي الحسيني أثر بالغ في صقل شخصيته وتوجيه اهتماماته نحو القراءة والبحث والمعرفة.

اختار الحسيني العمارة طريقاً أكاديمياً ومهنياً، فحصل على شهادة الماجستير في العمارة عام 1987 من الاتحاد السوفيتي السابق، متخصصاً في عمارة الفنادق، ثم واصل مسيرته العلمية حتى نال الدكتوراه في نظرية العمارة وإحياء الآثار من أكاديمية البناء والعمارة في أوديسا بأوكرانيا عام 2015، مقدماً أطروحته الموسومة: (تأثير العمارة البابلية على هيكلية العمارة العالمية). كما حصل على دبلوم اللغة الروسية ودبلوم الرسم الهندسي، وأصبح مهندساً استشارياً عام 2000، وعضواً في نقابة المهندسين العراقيين منذ عام 1987.
لكن العمارة بالنسبة له لم تكن مجرد مهنة، بل رؤية ثقافية وحضارية شاملة. لذلك جاءت مؤلفاته المعمارية امتداداً لهذا الفهم العميق، فأصدر عدداً من الكتب المهمة منها: مقالات في العمارة (2000)، والعمارة في مدينة الحلة (2011)، والعمارة ما بعد العولمة (2017)، والتطور في الفكر المعماري وأسس التصميم (2019)، والفنادق وأسس تصميمها (2020)، والمعبد في وادي الرافدين، فضلاً عن عشرات البحوث والدراسات المتخصصة في العمارة والآثار والتراث الحضاري.
وإذا كان المعماري يبحث عن الجمال في الفضاء، فإن الأديب يبحث عنه في اللغة. وهكذا وجدنا نصير الحسيني ينقل خبرته الحياتية والثقافية إلى عالم الأدب والسرد والتوثيق والترجمة، مؤكداً أن الإبداع لا يعرف حدود التخصصات الجامدة، بل ينمو في فضاء الثقافة الرحب.
لقد تنوع منجزه الأدبي بين الرواية والتوثيق والترجمة والتحقيق، فأصدر كتاب صور ناطقة (2018)، وبوابات بابل (2019)، وسلسال الكلام (2020)، كما حقق وأعد الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر علي الحسيني (2019)، والأعمال الشعرية الكاملة للشاعر هاشم عباس بنيان (2020). وفي المجال الروائي أصدر روايات ذكريات على شواطئ البحر الأسود (2020)، والشاعر المفقود (2021)، ولغز الحياة (2024)، وهي أعمال تعكس تداخلاً بين التجربة الإنسانية والذاكرة الثقافية والخيال السردي.
كما أسهم في مد جسور التواصل الثقافي بين العربية والروسية من خلال ترجماته المهمة، ومنها ترجمة أعمال للشاعر الروسي الكبير ألكسندر بوشكين، وكتاب حكايات بلا روسية في ثلاثة أجزاء، فضلاً عن كتابه الإسكندر المقدوني في بابل الصادر عام 2025، الذي يعكس اهتمامه بالتاريخ والحضارات القديمة.
ولم يقتصر منجز الدكتور نصير علي الحسيني على التأليف وحده، بل امتد إلى التوثيق الثقافي واستحضار سير الشخصيات الأدبية والاجتماعية التي أسهمت في صناعة المشهد الحضاري لمدينة الحلة والعراق عموماً. فقد جمع بين روح الباحث ودقة المؤرخ وجمالية السرد الأدبي، وتميزت كتاباته بلغة رصينة تجمع بين التوثيق والتحليل، وتكشف عن قدرة على استنطاق المكان والزمان واستعادة التفاصيل الإنسانية التي كثيراً ما تغيب عن السرديات الرسمية.
وفي أعماله تبدو الحلة، بتاريخها ورموزها وموروثها الثقافي، حاضرة بوصفها فضاءً للذاكرة والإبداع، إذ سعى إلى حفظ ملامحها الحضارية من النسيان وتقديمها للأجيال بوصفها جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية. ومن هنا اكتسب مشروعه الثقافي خصوصيته التي تنبع من تداخل المعرفة المعمارية مع الرؤية الأدبية والإنسانية.
ولعل من أبرز ما يميز تجربة الحسيني إيمانه العميق بالثقافة بوصفها فعلاً مجتمعياً. فقد ارتبط اسمه بدعم المؤسسات الثقافية والمبادرات الإبداعية في مدينة الحلة، وشغل مواقع ثقافية مهمة، منها مدير تحرير جريدة الأديب عام 2016، ومدير تحرير مجلة العشرة كراسي، فضلاً عن عضويته في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين منذ تسعينيات القرن الماضي، ومشاركته في العديد من المؤتمرات والندوات داخل العراق وخارجه.
وقد نال خلال مسيرته الطويلة العديد من شهادات التقدير والتكريم، ومن بينها درع الإبداع ودرع الجواهري من الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، كما حظيت أعماله باهتمام عدد من النقاد والباحثين والأدباء داخل العراق وخارجه، وترجمت بعض نتاجاته ودُرست في مناسبات ثقافية متعددة.
إن المتأمل في سيرة الدكتور نصير علي الحسيني يدرك أنه أمام شخصية استثنائية استطاعت أن تجعل من العمارة لغة للحضارة، ومن الأدب مرآة للذاكرة، ومن البحث العلمي وسيلة لحفظ التراث وصون الهوية. لذلك لم يكن حضوره مجرد حضور مهندس ناجح أو أديب مثابر، بل حضور مثقف موسوعي ظل وفياً لمدينته وتاريخها، ومخلصاً لقيم المعرفة والجمال.
وفي زمن تتسع فيه مسافات التخصص الضيق، يقدم نصير علي الحسيني مثالاً نادراً للمثقف الذي جمع بين العقل الهندسي ن واضحة في العمارة والأدب والتوثيق الثقافي، تستحق التقدير والدراسة والاحتفاء.

قد يعجبك ايضا