نوري جاسم ..
تُعدُّ سيادة القانون الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، فهي الضمانة الحقيقية لتحقيق العدالة وحماية الحقوق والحريات وترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي. فالدول لا تُقاس بقوة مؤسساتها الأمنية أو الاقتصادية فحسب، بل بمدى احترامها للقانون وخضوع الجميع لأحكامه دون تمييز أو استثناء. ويُقصد بسيادة القانون أن تكون القواعد القانونية هي المرجعية العليا التي تنظم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات والسلطات العامة، بحيث لا يكون أحد فوق القانون مهما كانت مكانته أو منصبه. وعندما تتحقق هذه القاعدة، يشعر المواطن بالأمان والثقة في مؤسسات الدولة، ويصبح القضاء الملاذ العادل لحسم النزاعات وإنصاف المظلومين. وفي التجارب الديمقراطية الناجحة، ارتبط تقدم المجتمعات بوجود منظومة قانونية فعّالة وقضاء مستقل قادر على تطبيق القانون بحياد ونزاهة. فاستقلال القضاء ليس امتيازاً للقضاة، وإنما هو حق للمجتمع بأكمله، لأنه يضمن تحقيق العدالة بعيداً عن الضغوط السياسية أو المصالح الشخصية. وإن التحديات التي تواجه العديد من الدول اليوم لا تكمن في نقص التشريعات، بل في ضعف تطبيقها أو الانتقائية في تنفيذها. فالقانون يفقد هيبته عندما يُطبَّق على البعض ويُستثنى منه البعض الآخر، كما تتراجع ثقة المواطنين بالدولة عندما يشعرون بوجود تفاوت في الحقوق والواجبات. ومن هنا تبرز أهمية نشر الثقافة القانونية بين أفراد المجتمع، لأن معرفة المواطن بحقوقه وواجباته تسهم في تعزيز احترام القانون وتقليل النزاعات وترسيخ قيم المواطنة. كما أن المؤسسات التعليمية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني تتحمل مسؤولية كبيرة في بناء الوعي القانوني وترسيخ مفهوم دولة المؤسسات. وإن بناء دولة قوية وعادلة لا يتحقق بالشعارات، وإنما بتكريس مبدأ سيادة القانون، واحترام الدستور، وتعزيز استقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وضمان المساواة بين المواطنين. فحين يسود القانون تزدهر التنمية، وتتوسع فرص الاستثمار، وتتعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، ويتحقق الاستقرار الذي تنشده الأمم في حاضرها ومستقبلها. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..